كثيرا ما تكون مصيبة الإنسان ليست في وقوع الأحداث نفسها، بل في أن يعيشها وهو غافل عن حكمتها وأسبابها.
وهنا يتجلى درس قرآني بالغ العمق في الصبر على ما لا ندركه، وفي الامتناع عن التعجل في إصدار الأحكام قبل أن تكتمل الصورة أمامنا.
وفي تدبره لقوله تعالى: “إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا”، يوضح الشيخ ماجد راضي، مدير إدارة المتابعة بمديرية أوقاف جنوب سيناء، أن تكرار التنبيه على الصبر في قصة موسى مع الخضر يحمل دلالة جوهرية؛ إذ قد يرى الإنسان أمرا لا يفهمه فيسارع إلى الاعتراض أو إصدار الحكم، في حين أن الحقيقة لم تتكشف له بعد على وجهها الكامل.
غياب الفهم لا يعني غياب الحكمة
يكشف سياق القصة أن عدم إدراك السبب لا يستلزم انعدام الحكمة وراءه.
فما يبدو للإنسان في لحظة معينة غامضا أو عصيا على الفهم، قد تتضح أسبابه ودلالاته حين تكتمل الأحداث وتظهر التفاصيل التي كانت خفية في البداية.
ومن هذه الزاوية يصبح الصبر اختبارا حقيقيا للنفس، لا في مواجهة المشقة والانتظار فحسب، بل في القدرة على ضبط الحكم عندما تكون المعرفة ناقصة.
فالإنسان يرى جزءا من المشهد، وقد يبني على هذا الجزء موقفا كاملا، بينما تظل أجزاء أخرى من الحقيقة خارج نطاق رؤيته.
ولهذا فإن التسرع في الحكم قد يجعل الإنسان أسيرا لانطباعه الأول، قبل أن تمنحه الأيام فرصة لفهم الصورة كاملة.
درس يتجاوز حدود الموقف
وتقدم القصة القرآنية درسا يمتد إلى ما هو أبعد من الموقف ذاته؛ فليس كل ما نجهل سببه بلا سبب، وليس كل ما لا ندرك حكمته خاليا من الحكمة.
وقد يمر الإنسان بموقف يظنه شرا محضا، أو يتساءل عن سر حدوثه، ثم يكتشف بعد حين أن ما لم يفهمه في البداية كان جزءا من صورة أكبر لم تكن قد اكتملت أمامه بعد.
ويؤكد الشيخ ماجد راضي أن التدبر في هذه الآية يفتح بابا مهما لمراجعة طريقة تعامل الإنسان مع الأحداث؛ فالصبر هنا لا يعني تعطيل العقل ولا التوقف عن السؤال، وإنما يعني ألا يتحول نقص المعرفة إلى حكم نهائي قاطع.
قاعدة باقية من هذا التدبر
وهكذا يعلمنا القرآن أن بعض الإجابات تحتاج إلى وقت، وأن بعض الحقائق لا تظهر في بداية الطريق، وأن الإنسان قد يحتاج إلى الصبر حتى يرى ما لم يكن قادرا على رؤيته في اللحظة الأولى.
فالقاعدة التي تبقى من هذا التدبر: لا تتعجل الحكم على مشهد لم تكتمل فصوله، فقد تكون الحكمة موجودة لكنك لم ترها بعد.

التعليقات