إثيوبيا على حافة التحول: تحالفات جديدة تعصف بمشهد الصراع
تشهد الأراضي الإثيوبية في الآونة الأخيرة تحولات دراماتيكية غير متوقعة، تنذر بتغيرات جذرية في خريطة الصراع المسلح الذي تعيشه البلاد منذ سنوات.
فبعد نحو أربعة أعوام فقط من توقيع اتفاقية السلام التاريخية التي أنهت واحدة من أكثر الحروب شراسة ودموية في القرن الحادي والعشرين، وأسدلت الستار على معاناة إقليم تيغراي الشمالي، تبدو الرياح اليوم بما لا تشتهي سفن العاصمة أديس أبابا، وسط مؤشرات على أن المشهد السياسي والعسكري يتجه نحو مزيد من التعقيد والتصعيد.
خريطة التحالفات الجديدة: عندما يلتقي أعداء الأمس
في مشهد سياسي وعسكري بدا مستحيلاً في الماضي القريب، تشير التقارير الميدانية القادمة من قلب القرن الإفريقي إلى ذوبان الجليد تماماً بين أطراف كانت تعتبر نفسها “أعداء الأمس”.
هذه القوى التي خاضت معارك طاحنة ضد بعضها البعض تقف اليوم في خندق واحد لتوجيه ضربات موجعة وموحدة ضد حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، مما يضع النظام الحالي أمام أصعب اختباراته الاستراتيجية والوجودية منذ توليه مقاليد الحكم.
وتتقاطع هذه التحالفات مع تصاعد نفوذ قوى مسلحة في مناطق أمهرة وأوروميا، إلى جانب عناصر من جبهة تحرير تيغراي، في مؤشر على أن التناقضات الثنائية القديمة تحولت إلى جبهة أوسع مناهضة للحكومة المركزية.
ويرى محللون أن هذا التقارب غير المألوف يرتكز على مصالح مشتركة مؤقتة أكثر من كونه تحالفاً مبدئياً، مما يجعله هشاً وقابلاً للانفجار في أي لحظة، لكنه في الوقت نفسه قادر على إرباك الحسابات العسكرية للحكومة الفيدرالية.
أبعاد الأزمة وتداعياتها الإقليمية والدولية
تثير هذه التطورات المتسارعة حالة من الهلع الإقليمي والدولي من انزلاق إثيوبيا مرة أخرى إلى مستنقع الفوضى الأهلية الشاملة.
فبينما كانت الحكومة الفيدرالية تمني النفس ببناء دولة مركزية قوية ومستقرة، تأتي الرياح العكسية لهذه التحالفات لتعيد رسم خطوط المواجهة بطريقة تهدد وحدة البلاد وتماسكها الداخلي، وسط ترقب عالمي لما ستسفر عنه الأيام القادمة من معارك مصيرية.
وتزداد حساسية المشهد بسبب العوامل الاقتصادية الضاغطة، من ارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية، إلى تفاقم أزمة السيولة وشح النقد الأجنبي، وهي ظروف توفر أرضية خصبة لتوسع رقعة الاستياء الشعبي.
كما أن موقع إثيوبيا الاستراتيجي في القرن الإفريقي، وجوارها لدول مثل السودان والصومال وإريتريا، يجعل أي انفجار داخلي فيها قادراً على إحداث ارتدادات أمنية وإنسانية تمتد إلى ما هو أبعد من حدودها، بما يشمل تدفقات اللاجئين وطرق التجارة الإقليمية.
هل تتكرر مأساة الصراع الدموي؟
يطرح المراقبون سؤالاً محورياً: هل تتجه إثيوبيا نحو تكرار سيناريو الحرب الأهلية الشاملة التي شهدتها في السنوات الماضية؟ وتشير المعطيات إلى أن احتمال الانزلاق يبقى قائماً، خصوصاً في ظل غياب مسار سياسي جامع للحوار الوطني، وتصاعد الخطاب المتشدد من مختلف الأطراف.
ومع ذلك، يبقى هناك أمل في أن تدفع الضغوط الإقليمية والدولية، إلى جانب استنزاف مختلف الأطراف عسكرياً، نحو التسوية والتفاوض بدلاً من المواجهة المفتوحة.
ويبقى المشهد الإثيوبي مفتوحاً على كل الاحتمالات، بين تصعيد قد يعيد البلاد إلى دوامة العنف، أو انفراج سياسي هش قد يمنحها فرصة لمعالجة جذور أزماتها.
والأكيد أن الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد مسار إثيوبيا ومستقبل منطقة القرن الإفريقي بأكملها، وسط أنظار العالم التي تتابع هذه التحولات باهتمام وقلق شديدين.

التعليقات