صرخة هيمالايا تصل إلى نيويورك
من على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي مشهد يختزل مأساة أمة جبلية بأكملها، أطلق رئيس الوزراء النيبالي تحذيراً بالغ اللهجة إلى المجتمع الدولي، واصفاً الفيضانات المدمرة التي اجتاحت بلاده الشهر الماضي بأنها ليست كارثة محلية عابرة، بل جرس إنذار مبكر يقرع أبواب العالم بأسره قبل أن تصل موجة الدمار إلى عتبات الجميع دون استثناء.
واعتبر أن ما جرى في نيبال هو مشهد افتتاحي لما ينتظر كوكب الأرض إذا استمرت السياسات المناخية الحالية على مسارها.
كارثة نيبال.
إنذار أحمر للكوكب بأكمله.
جاءت تصريحات رئيس الحكومة النيبالية داخل قاعة الأمم المتحدة لتضع العالم أمام حقيقة مرة: الكوارث المناخية لم تعد تفرّق بين غني وفقير، لكنها تضرب أولاً وبقسوة أكبر الدول الأقل قدرة على المواجهة.
واستعرض الزعيم النيبالي أبعاد المأساة الإنسانية والبيئية التي خلفتها الفيضانات الهائلة، من نزوح آلاف الأسر وانهيار البنية التحتية وتدمير المحاصيل، إلى انقطاع الطرق والجسور في مناطق جبلية معزولة، وهو ما جعل عمليات الإغاثة تحدياً شبه مستحيل.
وتقع نيبال في قلب منطقة هيمالايا، وهي من أكثر بؤر العالم عرضة للكوارث المناخية المركبة؛ إذ تتضافر الفيضانات الموسمية مع ذوبان الأنهار الجليدية والانهيارات الأرضية وارتفاع منسوب مياه الأنهار، لتتحول الوديان الضيقة إلى ممرات للمياه الجارفة.
ويشير العلماء إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يسرّع ذوبان الجليد في أعالي الجبال، مما يزيد حجم المياه المخزنة ويضاعف مخاطر الفيضانات المفاجئة والبحيرات الجليدية المتفجرة.
الدول النامية.
من ضحية أولى إلى دائن مستحق.
لم يتوقف الخطاب عند وصف الدمار، بل امتد إلى جوهر المسؤولية.
فحذر رئيس الوزراء من أن الدول النامية تدفع فادح الثمن لسياسات صناعية وانبعاثات حرارية نتجت أساساً عن الدول الكبرى الصناعية، في مفارقة قاسية: من تسبّب في الأزمة بإنبعاثاته التاريخية هو الأقل تضرراً مادياً، ومن لم يشارك في صنعها هو الأكثر خسارة في الأرواح والبنية والاقتصاد.
وهذا المنطق يلتقي مع مبدأ “المسؤولية المشتركة لكن المتباينة” الذي أُقرّ في اتفاق باريس للمناخ، والذي يقر بأن قدرات الدول تختلف، وأن على الدول المتقدمة تقديم الدعم المالي والتقني للدول النامية لمساعدتها على التكيف مع التداعيات المناخية والحد من انبعاثاتها في الوقت ذاته.
نداء عاجل للتحرك الدولي السريع
وشدد الزعيم النيبالي على أن الوقت قد انفض، وأنه لم يعد هناك متسع للمزيد من التسويف أو الوعود المؤجلة، مطالباً بتفعيل آليات الدعم المالي والتقني للدول الأكثر عرضة للكوارث الطبيعية، وتسريع تمويل صناديق المناخ، وربط المساعدات بجدول زمني ملزم لا يقبل التأخير.
وحذر من أن تجاهل هذه الإشارات الخطيرة سيقود البشرية نحو سيناريوهات كارثية لا يمكن تداركها في المستقبل القريب، من ارتفاع حرارة الأرض وتوسع التصحر وارتفاع مستوى البحار، إلى موجات نزوح مناخي جماعية قد تعيد رسم الخرائط السياسية والاقتصادية للعالم.
لماذا تهمّ نيبال العالم كله؟
قد تبدو نيبال دولة صغيرة لا تتجاوز مساحتها 147 ألف كيلومتر مربع، لكنها تضم أعلى قمم الأرض، بما فيها قمة إيفرست، وهي تمثل مؤشراً حيوياً على صحة النظام البيئي العالمي.
وعندما تتعرض هذه القمم لضغوط مناخية، فإن التأثير لا يتوقف عند حدودها، بل يمتد إلى مصادر المياه التي تغذي أنهاراً كبرى يعتمد عليها ملايين البشر في جنوب آسيا.
وفق تقارير أنماط المناخ الدولية، تصنّف نيبال ضمن الدول الأكثر عرضة للمخاطر المناخية رغم انبعاثاتها الكربونية المنخفضة جداً، وهو التناقض الذي يلخص إشكالية العدالة المناخية التي يحاول القادة من دول الجنوب العالمي وضعها في صدارة النقاش الدولي.
خلاصة: من إنذار نيبال إلى يقظة عالمية
رسالة نيبال واضحة: الفيضانات لم تكن حادثاً عابراً، بل فاتورة تصل الآن، وستكون أثقل كلما تأخر التحالف الدولي على مواجهة أزمة المناخ.
وبينما يجتمع العالم لمناقشة التزاماته المناخية، يبقى السؤال معلقاً: هل سيستمع صنّاع القرار إلى صرخة الجبال قبل أن يجدوا أنفسهم وجهاً لوجه أمام نفس الكارثة؟.
الوسوم: #تغير_المناخ #رئيس_وزراء_نيبال #الأمم_المتحدة #الفيضانات_المدمرة #العدالة_المناخية

التعليقات