نظمت مكتبة الإسكندرية حلقة نقاشية حملت عنوان “استراتيجيات تعزيز الهوية بين الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني”، وذلك في إطار فعاليات مؤتمر “الهوية الوطنية.
جذور راسخة ورؤية متجددة”، وأدارت الجلسة الدكتورة مروة الوكيل، رئيس قطاع البحث الأكاديمي بمكتبة الإسكندرية وعضو لجنة الثقافة العلمية والتفكير الابتكاري والذكاء الاصطناعي بالمجلس الأعلى للثقافة، بمشاركة نخبة من الخبراء والأكاديميين وممثلي المؤسسات الوطنية.
الهوية ممارسة لا مفهوم نظري
أوضحت الدكتورة مروة الوكيل أن الهوية الوطنية تتشكل تدريجيًا منذ الطفولة، مرورًا بمؤسسات أساسية تتصدرها الأسرة ثم المدرسة وصولًا إلى المجتمع.
وشددت على أن دور هذه المؤسسات لا يقتصر على ترسيخ المفاهيم النظرية للهوية، بل يمتد إلى تحويلها إلى ممارسات حياتية تجسّد قيم الانتماء والمواطنة.
وأشارت إلى أن القضية المحورية تكمن في بناء شراكة حقيقية بين الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني، بما يجعل الهوية الوطنية واقعًا ملموسًا وممارسة حية لا مجرد فكرة مجردة.
الطفولة المبكرة وتأسيس الهوية
من جانبها، أكدت الدكتورة سحر السنباطي، رئيس المجلس القومي للطفولة والأمومة، أن بناء هوية الطفل يبدأ منذ مرحلة الطفولة المبكرة، موضحة أن الهوية لا تُلقّن بل تتشكل عبر الخبرات والمعلومات التي يكتسبها الطفل من الأسرة والمدرسة والمجتمع.
واستعرضت السنباطي جهود المجلس في تنفيذ برامج ومبادرات لتعزيز وعي الأطفال بتاريخ محافظاتهم وانتمائهم الوطني، ومنها “منتدى أطفال مصر” الذي يُنفذ في 10 محافظات للفئة العمرية من 10 إلى 18 عامًا، ومبادرة “زرع وحصد”.
ودعت إلى إعداد وثيقة وطنية لبناء هوية الطفل تتضمن خطة تنفيذية ومعايير لقياس النتائج ومواجهة التحديات.
الجذور والانفتاح الواعي
وقالت السفيرة نبيلة مكرم، رئيس الأمانة الفنية والمدير التنفيذي للتحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي، إن أعظم ما يمكن تركه للأجيال القادمة هو هوية وطنية راسخة قادرة على الانفتاح، ومجتمع متماسك يحافظ على ثوابته ويتفاعل مع المتغيرات المحيطة في إطار المواطنة.
وأكدت أن مواجهة تحديات الهوية تتطلب الحفاظ على الجذور مع الانفتاح الواعي على العالم، مشيرة إلى أن الهوية الوطنية أمانة مشتركة تشمل حفظ الذاكرة والتنوع والوعي والقيم.
تحديات داخلية وخارجية
أوضحت الدكتورة هالة رمضان، مدير المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن الهوية الوطنية تواجه تحديات داخلية وخارجية، من بينها محاولات طمس الهوية والتغيرات التي طرأت على اللغة والملبس، مؤكدة أن تنوع المجتمع المصري لا يتعارض مع وجود هوية وطنية موحدة.
وشددت على الارتباط الوثيق بين الهوية والانتماء، حيث ينعكس الانتماء في السلوك والممارسة، وأشارت إلى أن الأسرة المصرية تشهد تغيرات متسارعة أبرزها اتساع الفجوة الرقمية بين الآباء والأبناء.
التنشئة الأولى ووعي الإنسان
وأكدت الدكتورة سامية قدري، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن التنشئة الأولى داخل الأسرة تمثل عاملًا أساسيًا في تشكيل وعي الإنسان وهويته، موضحة أن ما يكتسبه الطفل خلال سنواته الأولى ينعكس على رؤيته لوطنه ومجتمعه.
واستعرضت جانبًا من تجربتها في منطقة شبرا التي اتسمت بالتنوع، وما شهدته خلال مراحل التعليم من ممارسات عززت الانتماء الوطني.
الثورة الرقمية ودور المجتمع المدني
وقال الدكتور أيمن عبد الوهاب، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن المجتمع المصري يشهد تحولات متسارعة في ظل أجيال ارتبطت بصورة وثيقة بالثورة الرقمية، مما يفرض الحاجة إلى مؤسسات قادرة على تنظيم التفاعلات الاجتماعية ومواكبة هذه المتغيرات، مؤكدًا أهمية وجود مجتمع مدني قوي يتجاوز الأطر التقليدية للعمل الأهلي ويعزز مفهوم المشاركة والشراكة في دعم الهوية الوطنية.
البحث العلمي ورصد التحولات
وأكدت الدكتورة ليلى البهنساوي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، أن أساتذة علم الاجتماع يتحملون مسؤولية تجاه الدولة والمجتمع من خلال رصد التحولات التي يشهدها المجتمع المصري وتحليلها عبر البحوث والدراسات والمقالات العلمية.
ودعت إلى تشكيل لجان معنية بالهوية الوطنية في مختلف المحافظات، مع إعادة النظر في العلاقات الاجتماعية وطموحات الشباب بما يتناسب مع المتغيرات الراهنة.
المدرسة وبناء الوجدان الوطني
وشدد الدكتور عربي أبو زيد، وكيل وزارة التربية والتعليم بالإسكندرية، على أن العملية التعليمية أساس رئيسي في تشكيل الوجدان الوطني، في ظل وجود نحو 25 مليون طالب داخل 65 ألف مدرسة، مما يجعل المدرسة مجتمعًا مصغرًا يعكس صورة المجتمع المصري.
وأشار إلى أن الدستور المصري نص على الاهتمام بدراسة اللغة العربية والتاريخ باعتبارهما من ركائز تشكيل الهوية الوطنية، إلى جانب إدراج التربية الوطنية ضمن المناهج الدراسية للإسهام في بناء شخصية الطالب المصري.
الشباب والتطوع في عصر العولمة
وقال الدكتور محمد رفاعي، الرئيس التنفيذي لمؤسسة “مصر الخير”، إن الهوية الوطنية في عصر العولمة يجب أن تكون منفتحة على العالم مع الحفاظ على ثوابتها، مشيرًا إلى أن الشباب يمثلون نحو 40% من المجتمع المصري، مما يجعلهم عنصرًا رئيسيًا في دعم مسيرة التنمية.
وأكد أن قوة المجتمع المدني تكمن في قدرته على إحداث تغيير ملموس وترسيخ مفاهيم الهوية الوطنية، لافتًا إلى تعدد المبادرات الشبابية في هذا المجال، ومعلنًا عن مبادرة موسعة في مجال التطوع تستهدف تحويل مفاهيم العمل التطوعي من مجرد أفكار إلى ممارسة فعلية.

التعليقات