في مشهد سينمائي عربي يزخر بالمواهب لكنه يئن تحت وطأة عقبات الوصول إلى الجمهور، برز حضور المخرج اللبناني كريم الرحباني في الدورة الثالثة عشرة من مهرجان طرابلس السينمائي كواحد من أبرز المحطات النقاشية.
فلم يقتصر دوره هذا العام على كونه اسماً فنياً حاضراً في المشهد، بل جلس على مقعد لجنة التحكيم ضمن منصة دعم وتطوير مشاريع الأفلام العربية القصيرة، ليحوّل المنصة إلى مساحة لطرح تساؤلات مصيرية حول مستقبل هذه الصناعة.
التوزيع.
الحلقة المفقودة في المنظومة السينمائية.
يطرح الرحباني رؤية مغايرة للسرد السائد الذي يربط ضعف انتشار الفيلم القصير العربي بنقص الموهبة أو ضعف القدرة الإنتاجية.
فبحسبه، الطاقات الإبداعية العربية غنية ومتجددة، والعقبة الحقيقية تتجسد في “حلقات التوزيع” التي تتحول إلى متاهة يصعب اختراقها.
ورغم ما يحمله الفيلم العربي القصير من قضايا إنسانية وأسئلة فنية عميقة، إلا أنه غالباً ما يجد نفسه محاصراً داخل أروقة المهرجانات، بلا جسور تصل به إلى منصات العرض الجماهيرية أو صالات السينما التجارية.
منصات المهرجانات.
شريان الحياة الذي لا يكفي.
من موقعه كعضو في لجنة التحكيم، يشير الرحباني إلى أن منصات دعم وتطوير الأفلام التي تنظمها المهرجانات الدولية، ومنها مهرجان طرابلس، تمثل شريان الحياة شبه الوحيد للصانعين الشباب.
فهي تمنحهم فرصة إنتاج مشاريعهم ورؤيتها للنور.
لكنه يشدّد على نقطة جوهرية: الدعم الإنتاجي وحده لا يصنع نجاحاً مستداماً إذا لم تقترن به استراتيجيات توزيع ذكية ومدروسة تضمن وصول الأعمال إلى الجمهور العريض.
التحدي القادم: كسر الانغلاق في العصر الرقمي
لم يتوقف تحليل الرحباني عند حدود التشخيص، بل امتد إلى رسم ملامح المرحلة المقبلة.
فالتحدي الأكبر الذي يواجه السينمائيين العرب، بحسب رؤيته، هو كسر حاجز الانغلاق وابتكار قنوات وصول جديدة تواكب التحولات الرقمية المتسارعة.
وهذا يفتح الباب أمام أسئلة ملحّة حول دور المنصات الرقمية والمنصات المتخصصة في إعادة تعريف دورة حياة الفيلم القصير، وتوسيع جمهوره خارج الدوائر النخبوية.
مهرجان طرابلس.
منصة للحوار لا للعرض فقط.
يكتسب مهرجان طرابلس السينمائي بعداً استثنائياً في هذا السياق، إذ يوفر مساحة تجمع بين العرض والتكريم وبين النقاش حول سياسات الصناعة وتحدياتها.
ومشاركة مخرج بحجم كريم الرحباني داخل لجنة تحكيم منصة تطوير المشاريع تعكس تحولاً في وظيفة المهرجانات العربية، من مجرد محطات احتفالية إلى مختبرات تفكير جماعي في مستقبل السينما العربية القصيرة.
في المحصلة، يضع كريم الرحباني يده على جرح لا يتعلق بإبداع السينمائيين العرب بقدر ما يتعلق بالبنية التي تنتظر أعمالهم بعد خروجها من غرفة المونتاج.
فالفيلم القصير العربي، بحسب رؤيته، لا يحتاج إلى مزيد من الموهبة بقدر حاجته إلى منظومة توزيع تليق بقيمته الفنية وتضمن له جمهوراً حقيقياً.

التعليقات