شهدت فعاليات اليوم الثاني من مؤتمر «الهوية الوطنية: جذور راسخة ورؤية متجددة»، المنعقد تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي، تنظيم مكتبة الإسكندرية للجلسة العلمية الثانية تحت عنوان «المخاطر التي تتعرض لها الهوية الوطنية»، والتي ترأسها الدكتور محمد كمال، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة ورئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ.
شارك في الجلسة ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام، والسفير محمد أبو بكر صالح نائب وزير الخارجية، إلى جانب نخبة من المسؤولين التنفيذيين والمفكرين والخبراء الأكاديميين.
رشوان: مصر دولة أُمة لا تتجزأ
انطلق ضياء رشوان من المفهوم الأنثروبولوجي للهوية بوصفها أسلوب حياة شامل يعبر عن ملامح المأكل والملبس والتقاليد وحركات الجسد، مؤكدًا أنه لا وجود علميًا لما يسمى «الهوية الفردية».
ووصف مصر بأنها «دولة أُمة» ممتدة عبر آلاف السنين، وليست تجمعًا هشًّا أو «بازل»، بل وعاء يصهر ويستوعب كل من يدخله في نمط حياته الخاص.
واستشهد بمقولة ابن خلدون في أن تحول أسلوب الحياة لا يحدث إلا بالهزيمة العسكرية الساحقة والتبعية للغالب، وهو ما حفظ الله مصر منه عبر العصور.
وحذر من أن الخطر الحقيقي يكمن في اهتزاز «شعور الانتماء» لدى الفرد، مشيرًا إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تخلق آمالًا وهمية تصطدم بالواقع وتورث الشباب تمزقًا وجدانيًا.
واختتم بأن محاولات الجماعات الدينية واليمينية المتطرفة عالميًا لفرض قوالب قسرية تلغي التعددية وتصادر أسلوب الحياة مآلها الفشل التاريخي.
أبو بكر: التحدي في الوعي لا في الانفتاح الرقمي
نقل السفير محمد أبو بكر صالح تحيات وزير الخارجية وثقته في أعمال المؤتمر، مؤكدًا أن التحدي لا يكمن في الانفتاح الرقمي بحد ذاته، بل في امتلاك الوعي والتفكير النقدي للتعاطي مع تدفقات الذكاء الاصطناعي وشبكات التواصل.
وفصّل أدوار التعليم والثقافة والإعلام والخطاب الديني والمجتمع المدني في بناء الوعي وترسيخ قيم التنوع.
واستعرض من واقع خبرته الدبلوماسية عوامل المناعة الذاتية للهوية المصرية بروافدها الدينية والحضارية، لافتًا إلى أن الإقبال العالمي على معارض الآثار بالخارج يعزز الفخر والارتباط القومي لدى المغتربين.
وأشار إلى تميز الجالية المصرية برباط انتماء استثنائي وحنين عميق للوطن مقارنة بجاليات أخرى، وإلى المكانة الوجدانية الكبيرة لمصر لدى غير المصريين من الدبلوماسيين والمسؤولين الأجانب الذين يفضلونها وجهة لإجازاتهم العائلية.
محمد كمال: الهوية ركيزة أمن قومي
أكد الدكتور محمد كمال أن قضية الهوية الوطنية ركيزة أمن قومي ومكون أصيل في القوة الشاملة للدولة، موضحًا أن التوافق المجتمعي حول الثوابت والرموز ليس مسألة تعبيرية فحسب، بل هو خط الدفاع الأول أمام حروب الهوية وتيارات الإسلام السياسي التي تدرك أن صلابة الوطنية المصرية هي العائق الأساسي أمام تمددها.
ودعا رئيس الجلسة إلى صياغة الأساس الفكري لـ«فكرة مصر» لترسيخها في العقول ومناهج التعليم، محذرًا من تطور أدوات الفضاء الرقمي التي تحولت إلى بيئة لتخليق هويات موازية بديلة تسعى لتشويه عقول النشء والشباب عبر خوارزميات تفرض وجهات نظر أحادية.
إيمان رجب: 3 توصيات تنفيذية
تناولت الدكتورة إيمان رجب، رئيس وحدة البحوث الأمنية والعسكرية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، مصادر التهديد الخارجي التي تواجه مصر وكونها تستهدف أبعاد الانتماء الوطني والاعتزاز بالدولة، وقدمت ثلاث توصيات تنفيذية:
- إجراء استطلاع رأي قومي لقياس وعي النشء.
- تدشين هيئة وطنية لحماية الهوية تقودها مكتبة الإسكندرية.
- بناء نماذج لغوية وطنية (LLMs) بالذكاء الاصطناعي لإتاحة محتوى تاريخي موثق.
وكشفت أن الدراسات الميدانية تشير إلى أن 98% من مصادر معلومات الجيلين «ألفا» و«زد» أصبحت رقمية خالصة، ما يوجب كسر عزلة الخطاب القومي المحصور في الأوراق والكتب.
أمل مختار: أزمة «الإسلام السياسي» البنيوية
حللت الدكتورة أمل مختار، الخبير بمركز الأهرام، المنطلقات الفكرية لتيار «الإسلام السياسي»، مؤكدة أن أزمته البنيوية تكمن في رفض الإطار المادي للدولة وسيادة القانون، وترسيخ مفهوم «جاهلية المجتمع» لتكريس الاغتراب الثقافي، ودفع المنتمي لرفض العادات والممارسات الشعبية الراسخة مثل احتفالات شم النسيم بدعوى مخالفتها للشريعة.
وطرحت ثلاث ركائز للمواجهة: فضح وتفنيد المغالطات التاريخية، وإشراك الشباب في بلورة مشروع ثقافي مصري جامع، وتفعيل التكامل الثقافي العربي لكسر الدائرة الفكرية المغلقة التي تتغذى عليها قيادات التطرف.
ريم بسيوني: اللغة العربية بين التهديد والفرص
تناولت الدكتورة ريم بسيوني، أستاذ اللغويات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة والروائية المعروفة، أبعاد المسألة اللغوية، مبينة من منظور علم اللغة الاجتماعي أن اللغات الحية تتغير عبر الأجيال، لكنها تصبح مهددة بـ«الانحلال والموت» حال تجريدها من قيمتها الاقتصادية والثقافية، مذكرة بأن العربية يتحدث بها 350 مليون شخص كلغة أم يمثل المصريون ثلثهم.
وطالبت بإرساء خطاب لغوي عادل يوقف التنميط والتشويه الدرامي للهجات المحلية خاصة الصعيدية والإسكندرانية، وإصلاح مناهج تعليم الفصحى، وتدريس روائع الشعر العامي لأيقونات مثل صلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي بالمدارس، ومخاطبة أولياء الأمور لتغيير نظرتهم المنحازة للغات الأجنبية على حساب لغتهم الأم.
وليد رشاد: الهوية ممارسة لا شعارات
أكد الدكتور وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن صلب النقاش الراهن هو: «كيف نحافظ على الهوية في عصر الثورة الرقمية؟»، مشددًا على أن الهوية ممارسة واقعية لا شعارات، وأن الفاعل في العالم الرقمي هو «الفرد» لا المؤسسات التقليدية، ما يجعل الحفاظ عليها مسؤولية شخصية على كل مستخدم.
وحذر من حزمة تهديدات تضمنت صعود «الاستقطاب المجتمعي» الذي حل رابعًا في تقرير المخاطر العالمي وقسّم المجتمع حيال قضايا فرعية، وتفشي ظاهرة «امتناع الهوية»، وتخليق هويات افتراضية عبر تقنيات «الأفاتار» في الألعاب وفقاعات الخوارزميات، وطغيان المحتوى غير الجاد.
ودعا إلى تعديل تشريعي فوري على قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (175 لسنة 2018) يجرم التعدي على الهوية وثوابت الأمة، بجانب دعم «الذات المواطنية» وتوظيف التقنية لإعادة إنتاج التراث.
أماني مسعود: العدالة أساس صون الانتماء
ربطت الدكتورة أماني مسعود، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، بين الأزمات الاقتصادية وتماسك الهوية، وكشفت نتائج دراسة استكشافية أجرتها على شباب مصريين مهاجرين في خمس دول هي كندا وهولندا والكويت والسعودية والإمارات، أظهرت أن 88% منهم لا ينوون العودة، مع تبنيهم هويات وولاءات فرعية ورؤيتهم غير المتفائلة للمستقبل، محذرة من أن التفاوت بين أنماط التعليم ومناهجه يحدث «تشرذمًا لمفهوم الهوية».
وشددت على أن صون الانتماء يرتكز على العدالة التوزيعية، وبناء الثقة بين المواطن والدولة، وتبني خطاب وطني تشاركي، داعية إلى توجيه الأبحاث لدراسة كيفية توظيف مقومات الهوية الثقافية في حل الأزمات الاقتصادية.

التعليقات