التخطي إلى المحتوى

في وقت يترقب فيه الشارع العراقي تحركات الحكومة لترسيخ دعائم الاستقرار، تبرز قضية حصر السلاح بيد الدولة كواحدة من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في المشهد السياسي الراهن.

فهذا الملف لا يمثل مجرد إجراء أمني روتيني، بل هو اختبار حقيقي لفاعلية سيادة القانون وقدرة الدولة على بسط نفوذها، ومؤشر حاسم على مستقبل الاستقرار في العراق والمنطقة بأكملها.

ويأتي هذا النقاش في ظل مشهد معقد تتشابك فيه التحديات الأمنية بالتوازنات السياسية، حيث يشكل انتشار السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية أحد أخطر التهديدات التي تواجه بناء دولة قوية وموحدة قادرة على فرض هيبتها.

تحديات فرض السيادة الوطنية

أكد الدكتور مختار غباشي، الأمين العام لمركز الفارابي للدراسات السياسية، أن التحدي الذي يواجه العراق في هذا الصدد يتجاوز الحدود المحلية ليصل إلى عمق التوازنات الإقليمية.

وأوضح غباشي أن انتشار السلاح خارج المؤسسات الرسمية يضعف من قدرة الدولة على اتخاذ قرارات سيادية مستقلة، ويجعل من تنفيذ الخطط الاستراتيجية أمراً محفوفاً بالمخاطر الأمنية.

وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها لا تكتفي بإضعاف سلطة الدولة، بل تساهم في خلق اقتصاد موازٍ قائم على القوة المسلحة، وتقوّض ثقة المواطن في قدرة المؤسسات على حمايته.

كما أن وجود فصائل مسلحة متعددة الولاءات يجعل عملية حصر السلاح عملية شائكة تتطلب مقاربة تدريجية تراعي التوازنات الدقيقة على الأرض.

تأثيرات إقليمية تتجاوز الحدود

وأضاف الخبير السياسي في تصريحاته، أن دول الجوار تراقب عن كثب تطورات هذا الملف؛ نظراً لأن أي انفلات أمني داخل الحدود العراقية ينعكس مباشرة على استقرار المنطقة.

وفي هذا السياق، ارتبط هذا الملف ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الأمن الإقليمي الممتد، باعتبار أن وصول السلاح إلى جهات غير دولية يشكل تهديداً عابراً للحدود، ويؤثر على مسارات التجارة ومكافحة الإرهاب والحوارات الجيوسياسية بين دول المنطقة.

إن عملية حصر السلاح بيد الدولة ليست مجرد عملية نزع أسلحة، بل هي عملية بناء ثقة وإعادة صياغة للعلاقة بين المواطن والمؤسسة العسكرية، وهو أمر يتطلب إرادة سياسية صلبة قادرة على تجاوز الانقسامات الحزبية والفصائلية التي تعيق قيام دولة قوية وموحدة.

مقومات النجاح وأدوات التنفيذ

ويشير مراقبون إلى أن نجاح هذا المسار يستلزم جملة من المقومات الأساسية، أبرزها:

  • الإرادة السياسية الجامعة: توافق القوى الوطنية على خارطة طريق واضحة وملزمة تحدد آليات التسليم والدمج.
  • الحوافز الاقتصادية والاجتماعية: توفير بدائل وظيفية وبرامج دمج للمقاتلين ضمن المؤسسات الرسمية.
  • الحاضنة التشريعية: إطار قانوني رادع يعاقب على حيازة السلاح غير المشروع ويعزز ثقة المواطن بالعدالة.
  • الدعم الإقليمي والدولي: تفاهمات تضمن عدم تحويل هذا الملف إلى أداة ضغط أو صراع نفوذ.

وفي المحصلة، يبقى السؤال الأهم: هل تمتلك بغداد اليوم الأدوات والإرادة اللازمتين لفرض هيبة الدولة والقضاء على ظاهرة السلاح المنفلت؟ الإجابة على هذا السؤال سترسم ملامح المرحلة المقبلة، ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة بأسرها.

الوسوم: #حصر السلاح بيد الدولة #العراق #الدكتور مختار غباشي #استقرار العراق #الأمن الإقليمي

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *