أثار الدكتور محمد عبد الفتاح مصطفى، رئيس الاتحاد الدولي للتعليم والبحث العلمي، قضية جوهرية تمس مستقبل آلاف الطلاب والخريجين، حين أكد أن مجموع الثانوية العامة لا يجب أن يتحول إلى حكم نهائي يلاحق الطالب طوال مسيرته الأكاديمية والمهنية، خصوصًا بعد أن يثبت خلال سنواته الجامعية قدرته على التفوق واكتساب المهارات العلمية والعملية.
الجدل حول شروط القيد في النقابات المهنية
يرى الدكتور محمد عبد الفتاح مصطفى أن الجدل الدائر حول شروط قيد خريجي الكليات والمعاهد الخاصة والأجنبية في عدد من النقابات المهنية، وبخاصة ما يتعلق بمجموع الثانوية العامة عند الالتحاق بالجامعة، يستحق إعادة النظر بصورة علمية وموضوعية، بما يحقق في الوقت نفسه حماية المهنة، والحفاظ على جودة الخريج، وعدم ظلم الطالب الذي أثبت كفاءته خلال سنوات الدراسة الجامعية.
الثانوية العامة ليست مقياسًا كاملًا للإنسان
يؤكد مصطفى أن مجموع الثانوية العامة، مهما بلغت أهميته في عملية التنسيق والقبول الجامعي، لا يمكن اعتباره مقياسًا كاملًا لإمكانات الطالب العلمية والعقلية والشخصية.
ويوضح أن طالب هذه المرحلة يكون في سن صغيرة نسبيًا، وقد يتأثر أداؤه في الامتحانات بعوامل متعددة، منها الظروف النفسية والاجتماعية، وطريقة الامتحان، والظروف الأسرية، والقدرة على التعامل مع نظام الاختبارات، فضلًا عن اختلاف الميول والقدرات بين الطلاب.
ويضيف أن طالبًا قد يحصل على مجموع مرتفع في الثانوية العامة دون أن يحقق التفوق نفسه في الجامعة، بينما قد يحصل طالب آخر على مجموع متوسط أو أقل، ثم يكتشف نفسه داخل التخصص الجامعي ويحقق نتائج متميزة في الدراسة والبحث العلمي والتطبيق العملي.
ويشدد على أن الذكاء والقدرة على الابتكار والبحث وحل المشكلات والمهارات العملية والقدرة على التعلم المستمر ليست أرقامًا يمكن اختصارها في مجموع الثانوية العامة.
السؤال الأهم: ماذا فعل الطالب بعد الثانوية؟
يشير رئيس الاتحاد الدولي للتعليم والبحث العلمي إلى أن السؤال الأكثر عدلًا عند تقييم الخريج يجب ألا يقتصر على: كم حصل على الثانوية العامة؟ بل يمتد إلى أسئلة أكثر شمولًا:
- هل اجتاز المقررات بنجاح؟
- هل حقق نتائج متميزة في المواد التخصصية؟
- هل نجح في الاختبارات العملية؟
- هل تلقى تدريبًا ميدانيًا حقيقيًا؟
- هل اكتسب المهارات المهنية المطلوبة؟
- هل شارك في مشروعات وبحوث علمية؟
- هل حصل على دورات متخصصة؟
- هل استطاع تطبيق ما تعلمه؟
- وهل أثبت بعد التخرج أنه قادر على ممارسة تخصصه وفقًا للمعايير المهنية؟
ويؤكد مصطفى أن هذه الأسئلة وغيرها يمكن أن تقدم صورة أكثر شمولًا عن مستوى الخريج من الاعتماد على رقم واحد حصل عليه منذ سنوات.
سنوات الجامعة قد تكشف قدرات لم تظهر في المدرسة
يبيّن أن التعليم الجامعي ليس مجرد امتداد للثانوية العامة، وإنما مرحلة جديدة تتغير فيها شخصية الطالب وتتطور قدراته، ويكتسب خلالها معارف ومهارات لم تكن متاحة له من قبل.
فالطالب الذي يدخل الجامعة في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمره، يخرج منها بعد سنوات وقد أصبح شخصًا مختلفًا من الناحية العلمية والفكرية والشخصية.
وقد يكون الطالب خلال الثانوية غير قادر على اكتشاف المجال الذي يناسبه، ثم يجد نفسه في الجامعة أمام تخصص يحبه ويبدع فيه.
ومن هنا يرى رئيس الاتحاد الدولي للتعليم والبحث العلمي أن تقييم الخريج يجب أن يستند بصورة أكبر إلى أدائه الفعلي في التخصص الذي درسه، مع التأكد أولًا من اعتماد المؤسسة التعليمية والبرنامج الدراسي وجودة التدريب والالتزام بالمعايير الأكاديمية والمهنية.
نماذج كسرت قاعدة “المجموع”
يستدل الدكتور محمد عبد الفتاح مصطفى على رؤيته بأن الواقع العلمي والإنساني مليء بنماذج لأشخاص لم تكن بداياتهم الدراسية مؤشرًا نهائيًا على ما سيحققونه في المستقبل.
فهناك طلاب التحقوا بتخصصات جامعية مرموقة بمجاميع لم تكن الأعلى، ثم استطاعوا خلال سنوات الدراسة أن يتفوقوا ويحصلوا على درجات علمية عليا، ويكملوا دراسات الماجستير والدكتوراه، ويشاركوا في الأبحاث العلمية، بل إن بعضهم قدم أبحاثًا وأفكارًا ومشروعات كان لها أثر في مجالات تخصصهم.
ويؤكد أن الموهبة قد تتأخر في الظهور، والقدرة على البحث والابتكار قد لا تظهر بالكامل في مرحلة الثانوية العامة.
ويوضح أن المجتمع لا يستطيع أن يعرف مستقبل الطالب من خلال رقم فقط، لأن الإنسان مشروع متطور وليس نتيجة امتحان واحدة.
لا ندافع عن خريج غير مؤهل
يشدد مصطفى على أن الدعوة إلى إعادة النظر في الاعتماد المبالغ فيه على مجموع الثانوية العامة لا تعني بأي حال المطالبة بالسماح لخريج غير مؤهل بممارسة مهنة تحتاج إلى كفاءة عالية.
ويقول إن حماية المجتمع والحفاظ على جودة المهن مسؤولية أساسية، خصوصًا في المهن التي ترتبط مباشرة بصحة المواطنين وسلامتهم، مثل الطب وطب الأسنان والصيدلة والهندسة وغيرها.
ويضيف: نحن لا نطالب بإلغاء المعايير المهنية، وإنما نطالب بأن تكون المعايير عادلة وشاملة، وأن تركز على الكفاءة التي اكتسبها الطالب فعلًا خلال رحلته الجامعية، دون أن يتحول مجموع الثانوية العامة وحده إلى عقوبة مستمرة تلاحقه بعد أن أثبت نجاحه في التعليم الجامعي.
الاعتماد الأكاديمي خط الدفاع الأول
يؤكد رئيس الاتحاد الدولي للتعليم والبحث العلمي أن هناك فرقًا بين التحقق من جودة المؤسسة التعليمية والبرنامج الدراسي، والحكم على الطالب بناءً على مجموعه في الثانوية العامة.
فالأولوية يجب أن تكون للتأكد من أن الكلية أو المعهد أو الجامعة معتمد، وأن البرنامج الدراسي مستوفٍ للمعايير الأكاديمية، وأن أعضاء هيئة التدريس مؤهلون، وأن المعامل والإمكانات والتدريب العملي متوافرة، وأن الخريج حصل فعلًا على التعليم الذي يؤهله لممارسة تخصصه.
ويشير إلى أن المجلس الأعلى للجامعات هو الجهة المختصة في مصر بقواعد قبول الطلاب ومعادلة الشهادات، وأن النقابات المهنية لها قواعدها المتعلقة بالقيد وممارسة المهنة.
كما أن بعض النقابات تضع بالفعل شروطًا تتعلق بنوعية الثانوية أو الحد الأدنى أو جودة المؤسسة التعليمية، وهو ما يعكس وجود اعتبارات مهنية حقيقية ينبغي مناقشتها في إطار قانوني وأكاديمي واضح.
لماذا لا يكون هناك اختبار مهني للخريج؟
يطرح الدكتور محمد عبد الفتاح مصطفى تصورًا يمكن دراسته، يتمثل في أن يكون الاختبار المهني أو اختبار الكفاءة جزءًا أساسيًا من منظومة تقييم الخريج الراغب في القيد بالنقابة، إلى جانب الشهادة الجامعية والاعتماد الأكاديمي.
فإذا كان الهدف هو حماية المجتمع والتأكد من أن من سيحمل لقبًا مهنيًا يمتلك المعرفة والمهارات اللازمة، فإن اختبارًا مهنيًا موضوعيًا قد يكون أكثر ارتباطًا بالكفاءة الفعلية التي يحتاج إليها سوق العمل.
ويوضح أن ذلك يمكن أن يشمل:
- اختبارًا علميًا في أساسيات التخصص.
- اختبارًا عمليًا بحسب طبيعة المهنة.
- التحقق من التدريب الميداني.
- مراجعة الساعات الدراسية والمقررات.
- التأكد من اعتماد الجامعة أو المعهد والبرنامج.
- التحقق من سلامة الشهادة وصحتها.
- وضع فترة تدريب أو امتياز حيث تقتضي طبيعة المهنة.
- تطبيق معايير موحدة وشفافة على جميع الخريجين.
ويؤكد أن هذه المنظومة يمكن أن تحقق معادلة مهمة: لا تنازل عن جودة المهنة، ولا ظلم للطالب بسبب رقم حصل عليه في مرحلة سابقة من حياته.
الجامعة فرصة ثانية لاكتشاف الموهبة
يقول مصطفى إن المجتمع الذي يؤمن بالتعليم يجب أن يؤمن أيضًا بفكرة “الفرصة الثانية”.
فإذا أخفق الطالب في تحقيق مجموع مرتفع في الثانوية العامة، ثم استطاع أن يثبت خلال أربع أو خمس سنوات من التعليم الجامعي أنه متفوق في تخصصه، فلماذا لا يكون هذا النجاح الجامعي دليلًا معتبرًا على تطور قدراته؟.
ويتساءل: هل من المنطقي أن نقول لطالب حصل على تقدير ممتاز طوال سنوات دراسته الجامعية، واجتاز التدريب العملي والاختبارات التخصصية، ونجح في مشروع التخرج، وربما بدأ طريقه في البحث العلمي، إن مجموعه في الثانوية العامة منذ سنوات يمنعه إلى الأبد من إثبات كفاءته المهنية؟ ويؤكد أن هذا السؤال يحتاج إلى نقاش مجتمعي وأكاديمي وقانوني هادئ.
التعليم الحديث لا يقيس الحفظ فقط
يشير رئيس الاتحاد الدولي للتعليم والبحث العلمي إلى أن منظومة التعليم العالمية تتجه بصورة متزايدة نحو قياس مجموعة أوسع من المهارات، مثل التفكير النقدي والإبداع وحل المشكلات والعمل الجماعي والبحث والتواصل والمهارات الرقمية والقدرة على التعلم المستمر.
ويضيف أن عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي يجعل من الصعب اختزال قدرات الإنسان في درجات اختبار تقليدي واحد.
فالخريج الناجح اليوم هو من يستطيع أن يتعلم ويبحث ويبتكر ويطبق ويحل المشكلات ويتعامل مع التكنولوجيا ويطور نفسه باستمرار.
النقابات شريك أساسي في تطوير التعليم
يؤكد مصطفى احترامه الكامل لدور النقابات المهنية في حماية المهنة والمواطن، مشيرًا إلى أن النقابات ليست خصمًا للطلاب والخريجين، وإنما شريك أساسي في ضمان جودة الممارسة المهنية.
ويدعو إلى فتح حوار مؤسسي بين النقابات والجامعات والمجلس الأعلى للجامعات ووزارة التعليم العالي والجهات المعنية، لوضع إطار واضح وعادل لقواعد القيد.
ويشير إلى أن بعض النقابات لديها بالفعل ضوابط تفصيلية لقيد خريجي الجامعات الخاصة والمعاهد، فمثلًا تنشر نقابة المهندسين مستندات وإجراءات لقيد خريجي الجامعات والمعاهد الخاصة، وتشترط مستندات تتعلق بالتخرج والمعادلة وغيرها.
ومن هنا يرى أن الحوار يجب أن ينتقل من مجرد “المجموع شرط أم لا؟” إلى سؤال أكثر شمولًا: ما المعايير العلمية والمهنية التي تثبت أن هذا الخريج أصبح مؤهلًا لممارسة المهنة؟.
لا نريد شهادات بلا كفاءة.
ولا كفاءات بلا فرصة.
يختتم الدكتور محمد عبد الفتاح مصطفى تصريحاته بالتأكيد على أن القضية ليست دفاعًا عن الجامعات الخاصة أو الأجنبية، وليست هجومًا على النقابات، وإنما دعوة إلى تحقيق التوازن بين حق المجتمع في خريج مؤهل، وحق الطالب في أن تُقاس قدراته الحقيقية بصورة عادلة.
ويقول: “نحن نريد خريجًا مؤهلًا، لا مجرد حامل شهادة، وفي الوقت نفسه لا نريد أن نغلق أبواب المستقبل أمام طالب أثبت خلال سنوات الجامعة أنه قادر على النجاح والتفوق”.
ويضيف أن الشهادة الجامعية يجب أن تكون نتيجة لمسار تعليمي حقيقي، وأن يكون الاعتماد الأكاديمي والتدريب والاختبارات المهنية أدوات أساسية لضمان الجودة.
ويختتم رئيس الاتحاد الدولي للتعليم والبحث العلمي حديثه قائلًا: “الثانوية العامة بداية الطريق وليست نهايته، والمجموع رقم في شهادة، أما الإنسان فهو رحلة من التعلم والخبرة والتجربة والإبداع.
ومن الظلم أن نحكم على مستقبل إنسان بالكامل من خلال رقم حصل عليه في مرحلة عمرية مبكرة، بعد أن يكون قد أثبت لاحقًا، بالدراسة والامتحان والتدريب والبحث، أنه قادر على النجاح”.
ويؤكد أن إصلاح منظومة التعليم لا يكون بإغلاق الأبواب، وإنما بوضع معايير عادلة وشفافة تقيس الكفاءة الحقيقية، وتحمي المجتمع، وتمنح المجتهد فرصة عادلة لإثبات ذاته.

التعليقات