مؤتمر «الهوية الوطنية.
جذور راسخة ورؤية متجددة» بمكتبة الإسكندرية: كيف يحمي شباب مصر انتماءه في عصر الذكاء الاصطناعي؟.
في أروقة مكتبة الإسكندرية العريقة، تلك الصرح الثقافي الذي يقف شاهداً على عصور من التنوير وذاكرة مصر الممتدة عبر آلاف السنين، انطلقت فعاليات مؤتمر «الهوية الوطنية.
جذور راسخة ورؤية متجددة»، ليشكل نقطة تحول في طريقة تناول قضايا الانتماء، إذ لم يكتفِ الحاضرون باستعادة أمجاد الماضي، بل عملوا على رسم خريطة طريق عملية للأجيال الصاعدة، تساعدها على التمسك بجذورها وسط عالم يتغير بوتيرة متسارعة.
بين عبق التاريخ وتكنولوجيا المستقبل.
جسور ممتدة.
لم يظل الحديث عن الهوية الوطنية حبيس الشعارات النظرية أو الخطابات المنبرية الجامدة، بل تحوّل المؤتمر إلى منصة حوارية تفاعلية تبحث عن آليات ملموسة تربط الشباب المصري بموروثه الثقافي والحضاري.
وقد شهدت القاعات نقاشات معمّقة تجاوزت التعريفات التقليدية للهوية، لتمتد إلى تحديات العولمة والانفتاح الرقمي، وطرحت سؤالاً محورياً: كيف يمكن للجيل الجديد أن يظل معتزاً بانتمائه الوطني، مع احتفاظه بقدرة كاملة على التفاعل مع أحدث أدوات المعرفة والتواصل؟.
مبادرات عملية للحفاظ على الشخصية المصرية
ركّز المشاركون على ضرورة إيجاد توازن دقيق بين الأصالة والمعاصرة، فالهوية الوطنية — كما أكدوا — ليست سجناً فكرياً يعيش فيه الفرد، بل هي الأساس المتين الذي ينطلق منه لبناء المستقبل.
وتناول الخبراء دور المؤسسات التعليمية والثقافية في تقديم محتوى جاذب للشباب يعزز لديهم الشعور بالفخر الوطني، مع التأكيد على أهمية توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في توثيق الحكايات الشعبية والتراث المصري والتاريخ الوطني بأسلوب يناسب العصر الرقمي.
ومن بين المقترحات التي طُرحت خلال الجلسات: إنتاج تطبيقات تفاعلية للتراث، وأرشفة رقمية للقصص الشعبية والأغاني واللهجات المحلية، واستخدام تقنيات الواقع المعزز في المتاحف والمواقع الأثرية، إلى جانب إدماج سير الشخصيات التاريخية في الألعاب الإلكترونية والمنصات التعليمية التي يقبل عليها الشباب.
دور الشباب.
من متلقٍّ إلى صانع للمحتوى.
أبرز المشاركون أن حماية الهوية الوطنية لم تعد مسؤولية مؤسسية فقط، بل باتت شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع والشباب أنفسهم.
فالشاب المصري اليوم ليس مجرد متلقٍّ للخطاب الثقافي، بل صانع للمحتوى ومؤثّر في الوعي الجمعي، عبر منصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت ساحة رئيسية لتشكيل الرأي العام والصورة الذاتية للشعوب.
وشدّد الحضور على أهمية الحذر من خطر «الهوية المعلّبة»، أي الانتماء القائم على الصور النمطية والتعبيرات الجوفاء دون فهم عميق للتاريخ واللغة والقيم، داعين إلى بناء وعي نقدي يمكّن الشباب من التمييز بين المحتوى الأصيل والرسائل المغرضة التي تستهدف تفكيك الروابط المجتمعية.
الهوية واللغة.
علاقة جدلية لا تنفصل.
خصص المؤتمر مساحة واسعة للحديث عن علاقة الهوية الوطنية باللغة العربية، بوصفها وعاء الفكر وحامل الذاكرة الجماعية.
وحذّر المختصون من تراجع العناية باللغة في المحتوى الرقمي، مؤكدين أن حماية اللغة لا تعني الانغلاق، بل تعني التطوير الواعي والابتكار في أساليب التعبير، بما يمكّن العربية من المنافسة في الفضاء الرقمي العالمي.
رسالة المؤتمر للأجيال الجديدة
خلص المؤتمر إلى أن الحفاظ على الهوية يبدأ من الفرد، ثم ينتقل إلى الأسرة والمجتمع، ليتحول في النهاية إلى ثقافة عامة تعكس أصالة الشعب المصري وقدرته على التكيّف مع التطور دون أن يفقد هويته أو ينسى أصوله.
وأكد المشاركون أن مصر ستظل منارة للإبداع بفضل وعي أبنائها، الذين يجمعون بين أصالة الجذور وطموح الرؤية المتجددة، وأن الانتماء ليس قيداً على الإبداع، بل مصدر إلهام له.

التعليقات