في خطوة تهدف إلى تغيير الصورة النمطية الراسخة عن اضطراب طيف التوحد، سلّط المركز القومي للترجمة الضوء على واحد من أهم الإصدارات الفكرية التي تقتحم هذا العالم الغامض، وهو كتاب «المتفرد.
رؤية مختلفة للتوحد».
هذا العمل ليس مجرد ترجمة لنص أجنبي، بل هو محاولة جادة لفتح نافذة جديدة نحو فهم أعمق للقدرات الكامنة خلف هذا الاضطراب.
ويأتي هذا الإصدار في إطار جهود الدكتور محمد نصر الدين الجبالي، رئيس المركز القومي للترجمة، لدعم المكتبة العربية بكتب نوعية تلامس قضايا المجتمع المهمة، حيث نقل العمل إلى العربية المترجمان زكريا القاضي وفكري محمد العتر بأسلوب يجمع بين الدقة العلمية والسلاسة الأدبية.
نظرة جديدة بعيداً عن التشخيص التقليدي
الكتاب الذي يحمل توقيع الكاتبين باري إم.
بريزانت وتوم فيلدز-ماير، يبتعد عن اللغة الطبية الجافة التي تحصر التوحد في كونه عجزاً أو نقصاً، ليقدّم بدلاً من ذلك رؤية إنسانية تركز على «التفرد».
ويعتمد المؤلفان على مفهوم «التنوع العصبي» (Neurodiversity)، الذي يرى أن الاختلافات في طريقة عمل الدماغ ليست عيوباً تستوجب التصحيح، بل اختلافات طبيعية في الإدراك والمعالجة، مما يجعل التوحد نمطاً معرفياً فريداً وليس مجرد قائمة من الأعراض.
لماذا يجب أن تقرأ «المتفرد»؟
يمثّل الكتاب مرجعاً مهماً للأسر، والأخصائيين، والمهتمين بالصحة النفسية، حيث يستعرض تجارب حقيقية تكسر حاجز الخوف والجهل.
ومن خلال محتواه، يتضح أن التوحد ليس «حالة مرضية» بقدر ما هو طريقة مختلفة لاستقبال ومعالجة العالم، مما يدعو القارئ لإعادة النظر في تعامله مع الأفراد الذين يمتلكون هذا النمط الفريد من الإدراك.
نقاط قوة تستحق الاحتفاء
يبرز الكتاب أن كثيراً من الأفراد على طيف التوحد يمتلكون قدرات استثنائية في مجالات محددة، كالذاكرة التفصيلية، والانتباه الشديد للتفاصيل، والتفكير المنطقي، والانغماس العميق في موضوعات يحبونها.
ويدعو المؤلفان إلى بناء بيئات داعمة تتيح لهذه القدرات أن تزدهر، بدلاً من التركيز على محاولة «إصلاح» ما يُوصف بأنه نقص.
تدخل مبكر ودعم أسري
يشدّد العمل على أهمية التدخل المبكر والتقييم الشامل، مع الإشارة إلى الدور المحوري للأسرة في رحلة الطفل، إذ تُعدّ الدعم والتقبّل والتفهم عوامل أساسية لا تقل أهمية عن البرامج العلاجية والتأهيلية.
كما يتناول قضايا واقعية مثل التعليم الشامل، والدمج المجتمعي، وتحديات مرحلة الانتقال إلى سوق العمل والاستقلالية.
بُعد وطني وإنساني
يعكس اهتمام المركز القومي للترجمة بهذا الإصدار حرصاً وطنياً على دمج أصحاب الهمم وفهم احتياجاتهم الحقيقية بعيداً عن القوالب الجامدة، وهو ما يجعله إضافة قيمة للمكتبة العربية ومصدر إلهام لا غنى عنه لكل من يسعى إلى فهم أكثر إنسانية وموضوعية لعالم التوحد.

التعليقات