في خضم التصعيد المتواصل، يعيش قطاع غزة واحدة من أقسى المآسي الإنسانية في تاريخه الحديث، إذ باتت المنظومة الصحية تواجه خطر الانهيار الكامل.
وتتفاقم هذه الكارثة في وقت تعجز فيه الكوادر الطبية عن تقديم أبسط الخدمات الإسعافية لآلاف المصابين، جراء الاستهداف الممنهج للمنشآت والمرافق الحيوية التي تشكل العمود الفقري للحياة في القطاع.
واقع مرير تحت وطأة القصف
أكد مراسل قناة “القاهرة الإخبارية” من دير البلح، بشير جبر، أن ما يشهده القطاع الصحي في غزة يمثل تدميراً متعمداً للبنية التحتية الطبية.
فقد خرجت عشرات المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة بشكل كامل، وتحول بعضها إلى ثكنات مهجورة وأخرى إلى أكوام من الركام، الأمر الذي ضاعف معاناة الأهالي والمصابين الذين يفتقرون اليوم إلى أدنى مقومات النجاة.
نظام صحي يلفظ أنفاسه الأخيرة
لم يعد الأمر مقتصراً على نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، بل تجاوزه إلى انعدام القدرة على إجراء العمليات الجراحية المعقدة أو توفير الرعاية اللازمة للمرضى في غرف العناية المركزة.
ومع استمرار استهداف المستشفيات، يجد آلاف المدنيين أنفسهم أمام حكم بالإعدام البطيء، فلا يجدون مكاناً يضمّدون فيه جراحهم.
وفي هذا السياق، تتوالى المناشدات الدولية بضرورة التدخل العاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فقدان ما تبقى من القطاع الطبي.
أرقام تكشف حجم الكارثة
تشير التقارير الميدانية إلى أن أكثر من ثلثي المستشفيات في غزة قد خرجت من الخدمة كلياً أو جزئياً، بينما تعمل المرافق المتبقية بقدرة استيعابية لا تتجاوز جزءاً بسيطاً من طاقتها الفعلية.
كما يعاني القطاع الصحي من نقص حاد في أسرّة العناية المركزة، وأجهزة التنفس الصناعي، وأدوية التخدير، في ظل نفاد معظم المخزون الطبي الأساسي.
الأمراض والأوبئة تهدد الناجين
إلى جانب الإصابات المباشرة، برزت مخاطر صحية جديدة تهدد حياة المدنيين، مع انتشار الأمراض المعدية كالكوليرا والالتهابات الجلدية والجهاز التنفسي، نتيجة تلوث المياه وانهيار شبكات الصرف الصحي، وتكدس النازحين في مراكز إيواء مكتظة تفتقر لأبسط شروط النظافة.
ويحذر الأطباء من أن تفشي الأوبئة قد يكون أشد فتكاً من القصف ذاته إذا استمر الوضع على ما هو عليه.
كوادر طبية تحت الخطر
يعمل الأطباء والممرضون في ظروف بالغة الخطورة، حيث استُشهد أو أُصيب المئات منهم أثناء أداء واجبهم الإنساني، بينما نزح آخرون بحثاً عن مأوى لعائلاتهم.
ويؤكد العاملون في القطاع الصحي أن استمرار العمل بات أشبه بمهمة مستحيلة، في ظل انقطاع الكهرباء والوقود اللازم لتشغيل المولدات والمعدات الحيوية.
نداءات عاجلة لإنقاذ ما تبقى
تتزايد الدعوات الدولية والإنسانية لفتح ممرات آمنة تسمح بإدخال المساعدات الطبية والوقود وإجلاء الحالات الحرجة، في وقت تبقى فيه هذه الجهود دون المستوى المطلوب أمام حجم الاحتياجات الهائل.
ويحذر خبراء الصحة من أن كل ساعة تأخير تعني فقدان مزيد من الأرواح التي كان يمكن إنقاذها لو توافرت أبسط الموارد.
إن ما يجري في غزة ليس مجرد أزمة صحية عابرة، بل كارثة إنسانية كاملة تتطلب تحركاً فورياً وحاسماً من المجتمع الدولي، قبل أن يتحول القطاع الطبي إلى ذكرى مؤلمة منسية بين الأنقاض.

التعليقات