التخطي إلى المحتوى

بقلم : إيمان مزريقي

مع انطلاق السنة الدراسية الجديدة في تونس يعود التلاميذ إلى مقاعد الدراسة محملين بآمال التعلم والنجاح وتعود الأسر إلى مواجهة أعباء العودة المدرسية وتكاليفها بينما تطرح وضعية عدد من المؤسسات التربوية أسئلة جدية حول جاهزية المدرسة العمومية وقدرتها على توفير الظروف الضرورية لاستقبال أبنائها، فبين مدارس مغلقة ومؤسسات مازالت أشغال ترميمها وتهيئتها متواصلة وأخرى تفتقر إلى أسوار تحمي محيطها ومؤسسات تعاني من تراكم الفضلات أو نقائص في التجهيز والصيانة يجد الرأي العام نفسه أمام قضية تتجاوز مجرد الاستعداد الإداري لبداية السنة الدراسية لتلامس جوهر الحق في التعليم ومسؤولية الدولة في ضمان شروطه الأساسية.إذ أن العودة المدرسية ينبغي أن تكون ثمرة استعداد مسبق يبدأ منذ انتهاء السنة الدراسية السابقة ويستفيد من كامل فترة العطلة الصيفية لإنجاز أشغال الترميم والصيانة والتهيئة والتنظيف مع احترام الآجال المحددة ومراعاة خصوصية المؤسسات التي تستقبل الأطفال، فالأشغال التي تتطلب إخلاء الأقسام أو غلق المرافق أو عزل أجزاء من المؤسسة عن التلاميذ يفترض أن تخضع إلى تخطيط دقيق يضمن عدم تعارضها مع موعد استئناف الدروس، أما عندما تستمر الورشات إلى بداية السنة الدراسية فإن الأمر يستوجب توضيحا رسميا حول أسباب التأخير وطبيعة الأشغال المتبقية والآجال المتوقعة لإنجازها والإجراءات المتخذة لحماية التلاميذ والإطار التربوي من المخاطر المحتملة.ولا يعني ذلك أن كل تأخير دليل على سوء التصرف فقد ترتبط بعض المشاريع بإجراءات فنية أو إدارية أو بصعوبات في التنفيذ غير أن احترام المال العام والحرص على سلامة الناشئة يفرضان متابعة دقيقة للمشاريع وتقييما مستمرا لنسب تقدمها وتحديدا واضحا للمسؤوليات عند ثبوت الإخلالات، فالمؤسسة التربوية لا يمكن أن تتحول إلى ورشة مفتوحة على حساب أمن التلاميذ ولا يجوز أن تصبح النقائص المتكررة أمرا معتادا تتعايش معه الأسر والمربون سنة بعد أخرى.وتزداد أهمية هذه المسألة عندما نضعها في إطار الالتزام الدستوري إذ ينص الفصل 44 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022 على أن التعليم إلزامي إلى سن السادسة عشرة وأن الدولة تضمن الحق في التعليم العمومي المجاني بكامل مراحله،وتسعى إلى توفير الإمكانيات الضرورية لتحقيق جودة التربية والتعليم والتكوين، كما ينص الفصل 52 على ضمان حقوق الطفل بما في ذلك كرامته وصحته ورعايته وتربيته وتعليمه وعلى توفير جميع أنواع الحماية له دون تمييز ووفق مصالحه الفضلى، وهذه المقتضيات تجعل من سلامة المؤسسة التربوية وجودة ظروف الاستقبال جزءا من المسؤولية العامة تجاه الناشئة وتطرح ضرورة الانتقال من مجرد ضمان الالتحاق بالمدرسة إلى ضمان القدرة الفعلية على التعلم في ظروف تحفظ الكرامة وتصون السلامة.وفي هذا السياق، تكتسب التوجيهات الحكومية المتعلقة بالعودة المدرسية للسنة الدراسية 2026-2027 أهمية خاصة فقد أكد مجلس وزاري مضيق انعقد يوم 14 أوت 2026 ضرورة استكمال التدخلات المتعلقة بالبنية التحتية والإسراع في إنهاء أشغال التهيئة والصيانة إلى جانب توفير الماء الصالح للشرب بصفة منتظمة والحرص على نظافة المؤسسات وحماية محيطها من الناحيتين الأمنية والبيئية ومعالجة النقائص في الإبان، كما أقر المجلس جملة من الإجراءات الاجتماعية من بينها رصد اعتماد إضافي قدره 67 مليون دينار لبرنامج المساعدات الاجتماعية بمناسبة العودة المدرسية والجامعية بهدف دعم العائلات الفقيرة ومحدودة الدخل وتوفير المستلزمات الأساسية والنقل لفائدة المستحقين، وتؤكد هذه القرارات أن الجاهزية المدرسية مسؤولية مشتركة تتطلب تنسيق مختلف الهياكل المركزية والجهوية والمحلية، غير أن الإعلان عن الإجراءات يظل خطوة أولى، بينما تقاس نجاعتها بما يتحقق فعليا داخل المؤسسات وفي حياة التلاميذ اليومية.ولا يمكن فصل وضعية البنية الأساسية عن مسألة تكافؤ الفرص بين التلاميذ فالتلميذ الذي يدخل إلى مؤسسة مجهزة وآمنة ويتمتع بالماء والنظافة والمرافق الضرورية يجد ظروفا مختلفة عن زميله الذي يدرس في مدرسة تعاني من نقائص في البناء أو التهيئة أو التجهيز، ومع أن الفوارق بين المؤسسات تحتاج إلى معطيات ميدانية دقيقة حتى يمكن قياس حجمها فإن مبدأ الإنصاف يقتضي أن تكون جودة البيئة المدرسية حقا مشتركا بين أبناء المدن والأرياف والمناطق الداخلية والساحلية وأن تحظى المؤسسات الأكثر حاجة بالتدخلات الضرورية وفق أولويات واضحة وشفافة.وتزداد هذه التحديات تعقيدا عندما يتعلق الأمر بالمؤسسات التي تستقبل أطفالا من ذوي الإعاقة أو صعوبات التعلم إذ لا تكفي جاهزية القسم من الناحية الشكلية لضمان اندماجهم الفعلي، فتهيئة المداخل والمرافق وتيسير الحركة وتوفير الظروف الملائمة للتعلم والإحاطة التربوية والصحية عناصر أساسية في بناء مدرسة دامجة تحفظ حق جميع الأطفال في التعليم، وينص الفصل 54 من دستور 2022 على حماية الأشخاص ذوي الإعاقة من كل تمييز واتخاذ التدابير التي تضمن لهم الاندماج الكامل في المجتمع وهو مبدأ ينبغي أن ينعكس على واقع المؤسسات التربوية وتجهيزاتها وخدماتها.أما العائلات التونسية، فإنها تواجه بدورها تحديا اقتصاديا متزايدا مع كل عودة مدرسية إذ تتراكم مصاريف الكتب والكراسات والمحافظ والملابس والأدوات المدرسية والنقل وغيرها من المستلزمات التي تختلف كلفتها بحسب عدد الأبناء ومستوياتهم الدراسية وبعد المؤسسة عن محل السكن، وقد تصبح هذه الأعباء أكثر ثقلا بالنسبة إلى الأسر محدودة الدخل أو التي تعاني من البطالة أو هشاشة الموارد فتتحول العودة المدرسية من مناسبة للفرح إلى فترة تتطلب تدبيرا دقيقا للميزانية وتضحيات إضافية، ومن هنا تبرز أهمية البرامج الاجتماعية الموجهة إلى المستحقين إلى جانب ضرورة ضمان توفر الكتاب المدرسي والكراس المدعم في الآجال وبالكميات الكافية ومراقبة مسالك التوزيع والتصدي للمضاربة والاحتكار وهي إجراءات أدرجها المجلس الوزاري ضمن استعداداته للعودة المدرسية.غير أن معالجة كلفة العودة المدرسية لا ينبغي أن تقتصر على المساعدات الظرفية بل تحتاج إلى رؤية اجتماعية أوسع تضمن عدم تحول الوضع الاقتصادي للأسرة إلى عائق أمام استمرار الطفل في التعليم، فتكافؤ الفرص لا يتحقق بمجرد فتح أبواب المدارس وإنما يتطلب أيضا مساعدة التلاميذ على الوصول إليها وتوفير النقل عند الحاجة وضمان ظروف ملائمة للتعلم والتصدي لأسباب الانقطاع المبكر عن الدراسة ومراعاة الفوارق الاجتماعية والمجالية التي تؤثر في المسار الدراسي.ومن الناحية الرقابية، فإن الحديث عن مدارس مغلقة أو مؤسسات غير جاهزة أو أشغال متواصلة يستوجب التثبت من كل حالة على حدة وتحديد موقع المؤسسة وطبيعة النقائص والجهة المسؤولة عن التدخل مع التمييز بين الأشغال الضرورية التي يمكن إنجازها دون تعطيل الدروس والأشغال التي تستوجب غلق المؤسسة مؤقتا حفاظا على سلامة التلاميذ، كما ينبغي الكشف عن البرامج المعلنة للصيانة والترميم ونسب تقدمها والآجال التعاقدية وأسباب التأخير عند حصوله والإجراءات المتخذة لتأمين الدراسة في المؤسسات التي لم تستكمل جاهزيتها، فالمساءلة الجدية لا تقوم على التعميم أو إطلاق الاتهامات وإنما على الوثيقة والمعاينة والشهادة الميدانية والرد الرسمي وعلى مقارنة ما أعلنته الجهات المعنية بما تحقق فعليا على أرض الواقع.كما وإن احترام المال العام يقتضي بدوره أن تكون مشاريع الترميم والتهيئة خاضعة للبرمجة والمتابعة والتقييم وأن تراعى فيها جودة الأشغال واستدامتها حتى لا تتحول الإصلاحات المؤقتة إلى مصاريف متكررة دون أثر حقيقي على المؤسسة، فالمدرسة تحتاج إلى صيانة دورية وإلى رؤية طويلة المدى تضمن سلامة البناء والمرافق والتجهيزات وتراعي الظروف المناخية والبيئية وتستجيب لحاجات التلاميذ والمربين، وتحد من الفوارق بين المؤسسات، كما وأن نشر المعطيات المتعلقة بالمشاريع العمومية يتيح للمجتمع المدني والأولياء ووسائل الإعلام متابعة الإنجاز والمساهمة في كشف النقائص، في إطار القانون واحترام المعطيات الشخصية.ولا تقل أهمية عن ذلك مسألة النظافة والمحيط المدرسي فوجود الفضلات أو تدهور المرافق الصحية أو غياب الصيانة المنتظمة قد يؤثر في صحة التلاميذ وفي شعورهم بالأمان والانتماء إلى مؤسستهم، وتحتاج هذه المسألة إلى تنسيق بين المؤسسات التربوية والسلطات المحلية والهياكل المكلفة بالنظافة والصحة والبيئة مع تحديد المسؤوليات وضمان التدخل المنتظم لأن نظافة المدرسة ليست عملا موسميا مرتبطا بيوم العودة المدرسية وإنما جزء من الحياة اليومية للمؤسسة ومن شروط التعلم السليم.هذا وتقف المدرسة العمومية في تونس اليوم أمام تحديات متعددة تتصل بالبنية الأساسية والموارد البشرية وجودة التعليم والعدالة المجالية والقدرة الشرائية للأسر ولا يمكن اختزال إصلاحها في ترميم جدار أو توفير مقعد أو توزيع كتاب كما لا يمكن تحميل المربين وحدهم مسؤولية معالجة نقائص تتجاوز صلاحياتهم، فالإصلاح الحقيقي يحتاج إلى سياسة عمومية متكاملة وإلى تمويل مناسب وإلى تخطيط استباقي وإلى إدارة فعالة وإلى متابعة ومساءلة وإلى إشراك الأولياء والمجتمع المدني في تشخيص المشكلات واقتراح الحلول.كذا وإن تونس مطالبة بأن تجعل من كل عودة مدرسية فرصة لتقييم ما تحقق وما تعطل وما يحتاج إلى تصحيح وأن تنتقل من منطق معالجة النقائص بعد ظهورها إلى منطق الوقاية والتخطيط المسبق، فالتلميذ لا ينبغي أن يكون أول من يدفع ثمن التأخير في المشاريع أو ضعف التنسيق بين الهياكل والأسرة لا ينبغي أن تواجه وحدها أعباء العودة المدرسية والمربي لا ينبغي أن يعمل في بيئة تعرقل أداء رسالته، كما وإن ضمان التعليم العمومي الذي أقره الدستور مسؤولية وطنية تتطلب ترجمة النصوص إلى واقع وتحويل الاعتمادات إلى مشاريع ناجزة وتحويل الوعود إلى نتائج قابلة للقياس حتى تصبح المدرسة فضاء آمنا للعلم والتربية والمواطنة ومؤسسة تفتح أمام أبناء تونس أبواب المستقبل على أساس الكرامة والإنصاف وتكافؤ الفرص.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *