في مشهد استثنائي خطف أنظار عشاق الطبيعة والحياة البحرية، رصدت مياه البحر الأحمر قبالة سواحل مدينة الغردقة، وبالتحديد بالقرب من جزيرة مجاويش، ظهوراً نادراً لثلاثة أفراد من كائن «عروس البحر» أو ما يُعرف علمياً باسم Dugong dugon.
وقد وثّق الغواصون والسياح الذين كانوا في رحلة بحرية بالمنطقة هذه اللحظة، التي تُعد حدثاً بيئياً مهماً في قلب الشعاب المرجانية المصرية.
ما هو «عروس البحر» (Dugong)؟
«عروس البحر» أو الأطوم هو ثديي بحري نباتي التغذية، ينتمي إلى رتبة الخيلانيات (Sirenia) التي تضم أيضاً خروف البحر (Manatee).
يتميز بجسم انسيابي ممتلئ، ورأس صغير، وأنف مقلوب للأسفل يساعده على رعي الأعشاب البحرية من القاع، وذيل يشبه ذيل الدلافين.
يتراوح طوله عادة بين 2.5 و3 أمتار، وقد يصل وزنه إلى نحو 400 كيلوغرام، ويُعتقد أنه مصدر أسطورة «حوريات البحر» التي ترويها الثقافات البحرية القديمة.
يتميز Dugong بعمر افتراضي طويل نسبياً قد يتجاوز 70 عاماً، ومعدل تكاثر منخفض جداً؛ إذ تلد الأنثى مولوداً واحداً كل 3 إلى 7 سنوات بعد فترة حمل تمتد نحو 13 إلى 14 شهراً، وهو ما يجعل أي تهديد لبيئته خطراً مباشراً على استمرار نوعه.
لماذا يُعد ظهور ثلاثة أفراد معاً حدثاً نادراً؟
تُصنّف «عروس البحر» ضمن الكائنات المهددة بالانقراض عالمياً وفق القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة (IUCN)، وتشتهر بحذرها الشديد وميلها للعيش في مناطق هادئة بعيداً عن صخب المراكب والأنشطة البشرية المكثفة.
لذلك فإن رؤية ثلاثة أفراد معاً في موقع واحد تُعد مؤشراً استثنائياً على استقرار البيئة المحيطة، واحتمال وجود مجموعة صغيرة مقيمة أو عابرة تستخدم المنطقة كمراعٍ بحرية وممر آمن.
أسباب اختيار «عروس البحر» لمنطقة مجاويش
يرجّح خبراء البيئة البحرية أن توجه هذه الكائنات نحو جزيرة مجاويش يعود إلى عدة عوامل مترابطة:
- وفرة الأعشاب البحرية: حيث تشكّل حقول الحشائش البحرية مثل نباتات «الحالب» و«الشدس» الغذاء الرئيسي للأطوم، وتوفر مجاويش بيئة غنية بهذه النباتات.
- سلامة النظام البيئي: الحفاظ على الشعاب المرجانية التي توفر مأوى طبيعياً وحماية من التيارات القوية والافتراس.
- انخفاض الضغط البشري: القيود المفروضة على الصيد والأنشطة البحرية العشوائية في بعض المواسم تقلل الإزعاج في موائل الكائن.
- جودة المياه: صفاء المياه ودرجات الحرارة المعتدلة في البحر الأحمر، وهي عوامل مثالية لبقاء هذا النوع.
دلالات الحفاظ على البيئة في البحر الأحمر
يعكس هذا الظهور نجاح جهود الدولة المصرية وجمعيات حماية البيئة في الغردقة في فرض قيود صارمة لحماية الكائنات البحرية المهددة بالانقراض، وتنظيم الأنشطة السياحية والغوص بصورة مستدامة.
وقد أصبح البحر الأحمر أحد أهم الملاذات الآمنة لهذا النوع على مستوى العالم، خاصة مع تراجع أعداده في مناطق أخرى مثل الخليج العربي وبعض سواحل شرق أفريقيا.
ومن أبرز المخاطر التي تواجهه: الاصطدام بقوارب المراكب، والتشابك في شباك الصيد، وتدهور حقول الأعشاب البحرية بفعل الأنشطة البشرية والتغير المناخي.
أهمية الظهور للسياحة البيئية
تُعد مشاهدة «عروس البحر» تجربة نادرة تجذب الغواصين من مختلف دول العالم، ما يمنح الغردقة ميزة تنافسية في السياحة البيئية.
ومع ذلك، تبقى المسؤولية مشتركة بين السلطات والشركات السياحية والزوار لضمان عدم إزعاج هذه الكائنات، عبر الالتزام بمسافات آمنة، ومنع اللمس أو المطاردة، وعدم إلقاء المخلفات في المياه.
خلاصة
يظل ظهور ثلاثة من «عروس البحر» قبالة جزيرة مجاويش حدثاً يحمل دلالة بيئية عميقة، يذكّرنا بأن حماية النظم البحرية ليست ترفاً، بل ضرورة لاستمرار هذه الكائنات العجيبة.
وكلما استمرت الجهود في حماية البيئة البحرية، زادت فرص تكرار هذه المشاهد النادرة، ليبقى البحر الأحمر ملاذاً آمناً لأندر كائنات المحيطات.

التعليقات