التخطي إلى المحتوى

هل تبطل الصلاة عند قراءة القرآن بطريقة برايل؟ دار الإفتاء تجيب

يشغل بال كثير من أبناء المجتمع من ذوي الهمم، وتحديداً فاقدي البصر، تساؤل جوهري حول كيفية التعبد والتقرب إلى الله أثناء الصلاة، وتحديداً حول إمكانية القراءة من المصحف المكتوب بطريقة «برايل».

وقد وضعت دار الإفتاء المصرية هذا السؤال على طاولة البحث الفقهي لتوضيح الحكم الشرعي الذي يريح قلوب الراغبين في الخشوع وتلاوة آيات الذكر الحكيم أثناء الوقوف بين يدي الله.

حكم تحريك اليد أثناء القراءة للمكفوفين

أوضحت المؤسسة الدينية الرسمية أن الشريعة الإسلامية جاءت ميسرة وليست معسرة، خاصة في أمور العبادات، استناداً إلى قوله تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ».

وبناءً عليه، فإن قراءة القرآن بطريقة برايل أثناء الصلاة لا تعد من المبطلات، بل هي وسيلة مشروعة ومباركة تمكن ذوي الإعاقة البصرية من قراءة الآيات وتدبرها بشكل صحيح كما يفعل المبصرون تماماً عند الإمساك بالمصحف.

ضوابط القراءة في الصلاة لذوي الإعاقة البصرية

وأضافت الفتوى أن تحريك اليدين لتلمس حروف برايل البارزة لا يعتبر من قبيل الحركة الكثيرة التي تبطل الصلاة، طالما أن الغرض منها هو استكمال التلاوة وضبط الحفظ والقراءة.

فالحركة هنا ضرورة شرعية لتمكين المصلي من أداء ركن القراءة في الصلاة، وهي تدخل ضمن مبدأ «الضرورات تبيح المحظورات»، وتؤكد على أن الإسلام دين يُقدر حاجة الإنسان ويفتح له أبواب الطاعة بشتى الطرق المتاحة.

لماذا تُعد الحركة اليسيرة مقبولة في الصلاة؟

يقرر الفقهاء أن الأصل في الصلاة الخشوع وسكون الأعضاء، إلا أنهم استثنوا الحركات اليسيرة التي لا تنافي الخشوع ولا تُخل بهيئة الصلاة.

وقد قسّم العلماء الأفعال في الصلاة إلى ثلاثة أنواع: الحركة اليسيرة، والمتوسطة، والكثيرة.

والراجح عند جمهور الفقهاء أن الحركة اليسيرة والمتوسطة المعتادة معفوٌّ عنها، بينما الحركة الكثيرة المتوالية التي تخرج المصلي عن هيئة الصلاة هي التي تبطلها.

وتلمس المصلي الأعمى لحروف برايل يقع ضمن الحركة اليسيرة أو المتوسطة الضرورية، فهو بمنزلة من يقلّب صفحات المصحف أو يضبط رداءه، وهي أفعال أجازها الفقهاء ولم يعدوها مبطلة.

أهمية مصحف برايل لذوي الإعاقة البصرية

يُعد مصحف برايل أحد أهم الوسائل التي مكّنت المكفوفين من الوصول المباشر إلى النص القرآني، بدلاً من الاعتماد الكلي على الحفظ أو الاستماع للتسجيلات الصوتية.

وطريقة برايل، التي ابتكرها الفرنسي لويس برايل في القرن التاسع عشر، تعتمد على ست نقاط بارزة يمكن من خلالها تمثيل الحروف والأرقام والعلامات.

وقد طوّرت الدول الإسلامية مصاحف مخصصة لهذه الطريقة، مضبوطة بالتشكيل ومؤشرات الأجزاء والأحزاب، مما يساعد الكفيف على التنقل في السور والآيات بدقة.

نصائح عملية للمصلي الكفيف أثناء التلاوة

  • ضبط موضع المصحف قبل تكبيرة الإحرام لتفادي الحركة الزائدة بعد الدخول في الصلاة.
  • استخدام رفٍّ أو حامل مخصص يثبّت المصحف ويقلل الحاجة لتحريك اليدين.
  • الاقتصار على الحركات الضرورية لضبط التلاوة وعدم التوسع في غيرها.
  • الاستعانة بالحفظ مسبقاً للتخفيف من الاعتماد على القراءة اللمسية أثناء الصلاة.
  • مراجعة الآيات قبل الصلاة لضمان تلاوة صحيحة وخاشعة.

مبدأ التيسير في الشريعة الإسلامية

تؤكد هذه الفتوى على قاعدة أصيلة في الفقه الإسلامي، وهي أن الأحكام الشرعية مبنية على رفع الحرج عن المكلفين.

وقد قال النبي ﷺ: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه».

فمن هذا المنطلق، لا يجوز أن يكون العجز البصري حائلاً بين المسلم وبين تلاوة كتاب الله في صلاته، بل تفتح الشريعة الأبواب كافة لتمكينه من أداء العبادة على الوجه الأكمل.

الخلاصة

قراءة القرآن بطريقة برايل أثناء الصلاة جائزة شرعاً لذوي الإعاقة البصرية، ولا تبطل الصلاة، وتحريك اليدين لتلمس الحروف البارزة حركة ضرورية معفوٌّ عنها.

وهذه الفتوى تجسّد سماحة الإسلام ومرونته، وتراعي ظروف أصحاب الهمم وتفتح لهم سبل التعبد والخشوع في أفضل صوره.

المصدر: فتوى دار الإفتاء المصرية بشأن قراءة المصحف بطريقة برايل في الصلاة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *