التخطي إلى المحتوى

في قراءة فقهية تجمع بين أصالة المنهج واحتياجات العصر، قدم الدكتور شوقي علام، مفتي الديار المصرية السابق، رؤية واضحة حول كيفية بناء الفتوى على أسس علمية راسخة تضمن ارتباطها بواقع الناس، مع الحفاظ الكامل على ثوابت الشريعة ومقاصدها الكبرى.

وتأتي هذه الرؤية في وقت تتزايد فيه الأسئلة المستجدة التي تحتاج إلى إجابات دقيقة ومتوازنة تراعي تغيرات الحياة الحديثة دون التفريط في الضوابط الشرعية.

### المنطق وأثره في تكوين الملكة الفقهية

وأشار علام إلى أن العلوم التي ازدهرت داخل الحضارة الإسلامية، وعلى رأسها علم المنطق، لم تكن مجرد معارف نظرية، بل كانت أدوات أساسية أسهمت في بناء التفكير الفقهي المنضبط.

فقد استفاد العلماء المسلمون من هذه العلوم بعد ترجمتها واستيعابها، وهو ما ساعدهم على ترتيب الأدلة، وتحليل المعاني، والتمييز بين أوجه الاستدلال المختلفة.

وأوضح أن الفقيه لا يكتفي بحفظ النصوص، بل يحتاج إلى قدرة عقلية تنظّم عملية الفهم والاستنباط، حتى تصل الفتوى إلى حكم صحيح يستند إلى قراءة واعية للنصوص والسياقات.

كما أن حسن استعمال الأدوات العقلية يعين المفتي على تجنب التسرع في إصدار الأحكام أو الوقوع في التناقض بين ظاهر النص وروحه.

### فقه الواقع شرط أساسي للفتوى الرشيدة

وأكد مفتي الديار المصرية السابق أن الفتوى في عصرنا لم تعد عملية نقل حرفي للأقوال، بل أصبحت مسؤولية علمية دقيقة تتطلب إدراكًا عميقًا لطبيعة الواقع المتغير.

فالمفتي الناجح هو من يجمع بين الفهم الصحيح للنص الشرعي وبين معرفة دقيقة بظروف الناس، وتطورات المجتمع، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية التي تؤثر في حياة الأفراد.

وبيّن أن صناعة الفتوى تقوم على ثلاثة محاور مترابطة: فهم النص الشرعي، وضبط دلالاته ومقاصده، ثم الإحاطة بالواقع الذي تُنزل عليه الأحكام.

ومن دون هذا التوازن، قد تصدر فتاوى بعيدة عن احتياجات الناس أو غير قادرة على معالجة القضايا المستجدة مثل المعاملات المالية الحديثة، والتقنيات الرقمية، وقضايا الأسرة، والطب المعاصر.

### بين ثوابت الشريعة ومتغيرات العصر

وأضاف علام أن الانفصال عن الواقع يؤدي غالبًا إلى فتاوى لا تحقق المقصود الشرعي، لأن الشريعة جاءت لهداية الناس وتحقيق مصالحهم ودفع المفاسد عنهم.

لذلك فإن المفتي مطالب بأن يربط الأحكام بالمقاصد الكبرى للشريعة، مثل حفظ الدين والنفس والعقل والمال والأسرة، مع مراعاة ظروف الزمان والمكان والأحوال.

وأشار إلى أن هذه المنهجية لا تعني التنازل عن الأصول، بل تعني تطبيقها بصورة أعمق وأكثر دقة، بما يضمن استقرار المجتمع ويحافظ على التوازن بين الالتزام الديني ومقتضيات الحياة الحديثة.

كما أن هذا النهج يعزز ثقة الناس في الخطاب الديني، ويجعل الفتوى أكثر قدرة على الاستجابة لتحديات الواقع دون ارتباك أو تشدد.

### أهمية التأهيل العلمي للمفتين

وتبرز من هذه الرؤية ضرورة إعداد المفتي إعدادًا شاملًا يجمع بين التأصيل الشرعي والمعرفة الإنسانية والوعي الاجتماعي، حتى يكون قادرًا على استيعاب القضايا المركبة التي تفرضها المرحلة الراهنة.

فالمفتي المعاصر لا يعمل في فراغ، بل داخل عالم سريع التغير يحتاج إلى اجتهاد منضبط، وتفكير مقاصدي، وقدرة على التمييز بين الثابت والمتغير.

وفي هذا الإطار، تمثل دعوة شوقي علام امتدادًا لمشروع علمي يهدف إلى تجديد أدوات الإفتاء، وإعادة ربطها بالعلوم المساندة، بما في ذلك المنطق وفهم الواقع، حتى تبقى الفتوى أداة إصلاح وبناء، لا مصدرًا للالتباس أو التضييق.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *