التخطي إلى المحتوى

في حلقة برنامج «حال بلدنا» التي استضاف فيها الإعلامي أحمد خيري الدكتورة غادة محفوظ، طُرح واحد من أهم الملفات المرتبطة بمستقبل المجتمع، وهو ملف صناعة الوعي المجتمعي.

ولم يأتِ الحديث بوصفه مجرد دعوة إلى مزيد من الحملات أو الرسائل الإعلامية، بل باعتباره مشروعًا وطنيًا يحتاج إلى رؤية شاملة واستراتيجية قومية متكاملة تحمي الوعي وتدعمه وتطوره باستمرار.

الفكرة الأساسية في هذا الطرح أن الوعي ليس معلومة عابرة، ولا منشورًا مؤقتًا، ولا حملة موسمية تظهر وقت الأزمات ثم تختفي.

الوعي الحقيقي هو قدرة الإنسان على الفهم والتمييز والتحليل واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، وهو ما يجعل القضية أقرب إلى بناء الإنسان نفسه من مجرد نقل رسالة إليه.

## من التوعية إلى صناعة الوعي

الفرق بين «التوعية» و«صناعة الوعي» فرق جوهري.

فالتوعية قد تقدم للمواطن نصيحة أو تحذيرًا أو معلومة تخص موقفًا محددًا، بينما صناعة الوعي تعني بناء عقل قادر على التعامل مع الواقع بصورة مستمرة، وفهم ما يتغير حوله، وربط المعلومات ببعضها، والوصول إلى موقف واعٍ ومدروس.

وهنا لا يكون الهدف أن نخبر المواطن فقط بما يجب أن يفعله، بل أن نساعده على فهم الأسباب والخلفيات، وأن نمنحه أدوات التفكير السليم، وأن ندرّبه على السؤال والنقد والاختيار.

فالمجتمع الواعي لا يقوم على التلقين، وإنما على الفهم والمشاركة والقدرة على التمييز.

## استراتيجية قومية تتجاوز الشعارات

الحديث عن استراتيجية قومية لحماية الوعي لا تكتمل قيمته إلا إذا تحولت إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ والقياس.

فكل استراتيجية ناجحة تحتاج إلى تحديد واضح للأولويات، ومعرفة الفئات المستهدفة، وتطوير رسائل مناسبة لكل فئة، سواء كانت للأطفال أو الشباب أو الأسر أو كبار السن.

كما أن النجاح لا يُقاس بعدد المنشورات أو الحملات فقط، بل بمدى التأثير الحقيقي في السلوك والاتجاهات والقدرة على التعامل مع الشائعات والمعلومات المضللة.

وهنا تظهر أهمية المؤشرات الدقيقة، والبحث العلمي، والدراسات الميدانية التي تكشف ما يحتاجه المجتمع فعلًا.

## الأسرة والتعليم والإعلام.

شركاء في المسؤولية.

لا يمكن أن تُحمل جهة واحدة مسؤولية بناء الوعي.

فالأسرة هي البداية الأولى التي يتشكل فيها الإنسان، والمدرسة تصقل شخصيته وتفتح أمامه آفاق المعرفة، والإعلام يشارك في تشكيل الصورة الذهنية وصناعة الاتجاه العام، بينما أصبح الفضاء الرقمي اليوم من أبرز مصادر التأثير والتوجيه.

ومن هنا فإن أي مشروع جاد لصناعة الوعي يحتاج إلى تنسيق حقيقي بين هذه المؤسسات، بحيث تعمل كل منها ضمن رؤية موحدة، لا بصورة منفصلة أو متعارضة.

فالمجتمع لا يحتاج إلى رسائل متكررة فقط، بل إلى منظومة متكاملة تُنتج الفهم وتدعم التفكير السليم.

## الوعي في زمن السوشيال ميديا

أصبح التحدي أكبر في ظل طوفان المعلومات الذي يعيشه الناس يوميًا عبر منصات التواصل الاجتماعي.

فالمتلقي لم يعد يتعامل مع مصدر واحد أو اثنين، بل مع سيول من الأخبار والصور والفيديوهات والتعليقات، بعضها صحيح، وبعضها مشوّه، وبعضها يصنع التأثير أكثر مما ينقل الحقيقة.

لذلك فإن صناعة الوعي في هذا العصر لا تعني مجرد الإخبار، بل تعني أيضًا تعليم الناس مهارات التحقق، والتمييز بين الحقيقة والرأي، وبين الخبر والشائعة، وبين المعلومة والمحتوى الموجّه.

وهذا النوع من الوعي الرقمي بات ضرورة لا رفاهية، خاصة مع سرعة انتشار المحتوى وتأثيره المباشر في تشكيل المواقف.

## الأسرة.

خط الدفاع الأول.

رغم كل ما سبق، تظل الأسرة نقطة الانطلاق الأهم في بناء الوعي.

فالطفل الذي ينشأ في بيئة تحترم الحوار، وتشجع على السؤال، وتقبل الاختلاف، وتغرس قيمة المسؤولية، يصبح أكثر استعدادًا لفهم العالم من حوله بطريقة ناضجة.

ومن هنا، فإن أي خطة حقيقية لصناعة الوعي يجب أن تنظر إلى الأسرة كشريك أصيل في البناء، لا كجهة تتلقى التوجيه فقط.

فتنمية الوعي تبدأ من البيت، وتكبر في المدرسة، وتُختبر في المجتمع، وتتعرض لامتحان يومي داخل الفضاء الرقمي.

## من الفكرة إلى المشروع المستدام

الطرح الذي قدمته الدكتورة غادة محفوظ يفتح الباب أمام سؤال مهم: كيف نحول الحديث عن الوعي من رد فعل وقت الأزمات إلى مشروع دائم ومستدام؟

الإجابة تتطلب عملًا مؤسسيًا طويل المدى، يعتمد على فهم عميق للمجتمع، وقراءة للتحولات التي طرأت على الأجيال الجديدة، وتطوير مستمر للخطاب والأدوات والوسائل.

كما يتطلب مشاركة الباحثين، والمعلمين، والإعلاميين، وصناع المحتوى، وأولياء الأمور، في منظومة واحدة هدفها النهائي بناء إنسان أكثر فهمًا وقدرة على الاختيار.

وفي ضوء ذلك، يصبح الهدف الحقيقي ليس زيادة عدد الرسائل التوعوية، بل بناء مواطن يملك القدرة على التفكير، والتمييز، واتخاذ القرار، وتحمل مسؤولية اختياره.

فصناعة الوعي ليست تكديسًا للمعلومات، وإنما تمكين للعقل من فهم المعلومات وتحويلها إلى سلوك رشيد وقرار واعٍ.

وفي النهاية، فإن الوعي المجتمعي ليس ترفًا فكريًا، بل هو أساس الاستقرار والتنمية وحماية المجتمع من التضليل والتشويش.

وكلما كانت أدواتنا في بناء الوعي أكثر عمقًا وشمولًا، كان المجتمع أقرب إلى النضج والقدرة على مواجهة تحدياته بثقة ووضوح.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *