شكّلت جلسة حوارية بعنوان «من الخدمات المصرفية الرقمية إلى التمويل الرقمي: التحول المدعوم بالذكاء الاصطناعي» منصة لاستعراض كيف تعيد تقنيات الذكاء الاصطناعي رسم ملامح القطاع المصرفي في مصر.
وقد عُقدت الجلسة على هامش معرض ومؤتمر «PAFIX»، الذي يقام ضمن فعاليات الدورة الثلاثين من «Cairo ICT 2026»، وأدارها أسامة كمال، رئيس شركة «تريد فيرز إنترناشيونال» المنظِّمة للحدث.
من ميكنة العمليات إلى بناء منظومة رقمية متكاملة
أجمع المشاركون على أن التحول الرقمي الحقيقي لا يتحقق بمجرد تحويل الإجراءات الورقية إلى إلكترونية، بل يتطلب بناء منظومة متكاملة تضع البيانات الدقيقة في قلب عملية التطوير.
ووفقًا لأسامة كمال، فإن تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا تستطيع العمل بكفاءة مع بيانات غير منظمة أو غير محدّثة، مما يجعل تنقية قواعد البيانات وتصحيحها وتحديثها جهدًا مستمرًا وضرورة لا غنى عنها.
وأشار إلى أن مطالبة البنوك عملاءها بتحديث بياناتهم بشكل متكرر — رغم ما قد يثيره ذلك من استياء — إجراء جوهري لحماية سلامة البيانات، وهي ممارسة تمتد أهميتها إلى قطاعات عدة تتجاوز القطاع المصرفي.
الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات: فرصة استراتيجية للاستقرار النقدي
من جهته، وصف رامي أبو النجا، نائب محافظ البنك المركزي المصري، الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات بأنهما فرصة استراتيجية تتيح للبنك المركزي قراءة أدق للتطورات الاقتصادية، وتسريع قرارات السياسة النقدية، وتعزيز الاستقرار النقدي والمالي.
وأكد أن التفاعل مع الثورة التكنولوجية أصبح ضرورة حتمية، لا خيارًا يمكن تجنبه، وأن الهدف النهائي هو تقديم خدمات مالية أفضل للمواطنين بخيارات أوسع وتكلفة أقل.
وأوضح أن التوظيف المؤسسي لهذه التقنيات يستهدف تحسين تحليل المؤشرات الاقتصادية، والوصول الأسرع إلى المعلومات، واستشراف الاتجاهات المستقبلية، بما يدعم قرارات أكثر دقة وفاعلية في ملفات حساسة مثل استهداف التضخم.
ولأن الاعتماد على البيانات التقليدية قد يستغرق وقتًا طويلًا في التجميع والإتاحة، اتجه البنك المركزي إلى الاستعانة بمؤشرات بديلة تكوّن صورة أسرع وأدق عن المشهد الاقتصادي.
وأشار إلى أن قانون البنك المركزي والجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020 مثّل خطوة تشريعية مهمة، إذ أدرج أطرًا تنظيمية لأنشطة المدفوعات والتكنولوجيا المالية، مهّدت الطريق لمواكبة التطورات التقنية.
أربعة محاور لتعظيم الاستفادة من الذكاء الاصطناعي
وحدّد أبو النجا أربعة محاور أساسية لتحقيق أقصى استفادة من الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي:
- تحديث الأطر التنظيمية والرقابية.
- رفع جودة المعلومات والبيانات.
- وضوح السياسات والأطر المنظِّمة لاستخدام التكنولوجيا.
- تطوير البنية التحتية والاستثمار في الكوادر البشرية.
وشدّد على أن الاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية لا يكفي وحده، ما لم يصاحبه تأهيل كوادر بشرية قادرة على التعامل مع الأنظمة الذكية وتوظيفها بكفاءة، مع تحقيق توازن دقيق بين اغتنام الفرص والتحوط من المخاطر.
مساعد صوتي ذكي يرد على 80% إلى 90% من الاستفسارات
كشف معتز مطاوع، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة «ون بانك»، أن الذكاء الاصطناعي يمكّن البنوك من تحليل سلوكيات العملاء ورصد الأنماط غير المعتادة في معاملاتهم، مما يساعد على اكتشاف العمليات غير الطبيعية والتنبؤ باحتياجات العملاء وتقديم الخدمات المناسبة في التوقيت الملائم.
وأوضح أن تطبيقات عملية بدأت تتبلور، من بينها المساعد الصوتي الذكي القادر على الرد على نحو 80% إلى 90% من الأسئلة المتكررة، مما يرفع كفاءة خدمة العملاء ويسرّع الاستجابة.
وأضاف أن احتياجات العميل لم تعد ثابتة حتى بالنسبة للشخص نفسه، ما يجعل تحليل السلوك أداة محورية لفهم كل عميل وتحديد الخدمة الأنسب له وقت الحاجة.
وأشار مطاوع إلى أن البنوك الرقمية تستهدف مختلف الفئات العمرية لا الشباب وحدهم، وأن القدرة على استخدام الهاتف المحمول والتطبيقات صارت المدخل الأساسي للخدمات المصرفية الحديثة، لافتًا إلى أن إطلاق «OneBank» يأتي في إطار مواكبة هذه التحولات وتلبية تطلعات الأجيال الجديدة.
من رصد التعثر إلى تحليل السلوك المالي
أكد محمد كريّم، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة «آي سكور»، أن نماذج تقييم الجدارة الائتمانية تتطور لتتجاوز مجرد رصد التأخر في سداد الأقساط، وتركز بصورة أكبر على تحليل السلوك المالي للعملاء وقدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم وفق دخولهم وظروفهم المعيشية.
وأوضح أن التقييم الائتماني أصبح أداة لقياس الالتزام وإدارة الأعباء المالية، لا مجرد سجل لحالات التعثر، مما يتيح للمؤسسات المالية رؤية أشمل واتخاذ قرارات تمويل مبنية على بيانات أدق.
ولم يعد استخدام هذه النماذج قاصرًا على البنوك، بل امتد إلى مؤسسات غير مصرفية تسعى لتقييم العملاء وأهليتهم للحصول على التمويل.
ولفت كريّم إلى أن النماذج الحديثة تراعي المتغيرات الحياتية كالزواج وإنجاب الأطفال وارتفاع نفقات التعليم، مؤكدًا أن زيادة الالتزامات لا تعني بالضرورة تراجع الجدارة الائتمانية طالما حافظ العميل على انتظامه في السداد وفي حدود قدرته المالية.
وشدّد على أن المعيار الأساسي هو الانتظام في الوفاء بالالتزامات المالية والحكومية والمصرفية، لا حجم الأعباء بمعزل عن القدرة على إدارتها.
وفي هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي وتقنيات تعلم الآلة كعنصر أساسي في تطوير هذه النماذج، لقدرتها على تحليل البيانات الضخمة والتعامل مع تعقيدها بما يتجاوز إمكانات التحليل اليدوي.
المعايير المفتوحة: طريق الهوية الرقمية الأكثر أمانًا
حذّر ستيفانو كاميليري، رئيس التسويق وتطوير الأعمال بمجموعة «IDENTIS»، من أن ارتفاع تكلفة حلول الهوية الرقمية واعتماد بعضها على معايير مغلقة يفرض ضغوطًا على الحكومات والمواطنين، مع صعوبة الانتقال إلى أنظمة بديلة وتزايد تكاليف الصيانة والتشغيل.
وأكد أن التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي يعزز الحاجة إلى حلول هوية رقمية أكثر أمانًا وأقل تكلفة، تقوم على معايير مفتوحة معتمدة دوليًا مثل معايير المنظمة الدولية للتوحيد القياسي (ISO) واتحاد شبكة الويب العالمية (W3C).
وأوضح أن من أبرز التحديات ضمان موثوقية الوكلاء الذكيين (AI Agents) والتحقق من عملهم بأمان دون إلحاق ضرر بالمؤسسات أو المستخدمين.
وأشار إلى أن هذه التقنيات قد تخفض تكاليف تطوير الخدمات الإلكترونية وإطلاقها، بما يمكن الجهات الحكومية المصرية، ومنها قطاع الرعاية الصحية، من إطلاق خدمات رقمية جديدة بسرعة وبتكلفة مناسبة، مشددًا على أن بناء الثقة بين الحكومات ومقدمي التقنية يقتضي المعايير المفتوحة بدلًا من الارتهان لحلول احتكارية يصعب التخلص منها.
الشفافية والثقافة المالية أولًا
من جانبه، أعلن رياض نوار، مدير مجموعة المؤسسات المالية بخدمات الاستشارات الأفريقية التابعة لمؤسسة التمويل الدولية (IFC)، أن المؤسسة تخطط لتطوير برنامج كبير في مصر لتعزيز الثقافة المالية الرقمية، على أن تُعلن تفاصيله خلال الفترة المقبلة.
وأوضح نوار أن الاحتيال المالي ليس ظاهرة جديدة، بل تحدٍّ رافق ظهور بطاقات الائتمان والخصم منذ البداية، واستشهد بتوقف أحد أكبر البنوك الفرنسية عن استخدام جميع بطاقات الائتمان لديه لنحو يوم ونصف بسبب عمليات احتيال، وبارتفاع معدلات الاحتيال في كينيا إلى 20% مع بداية تطوير منصات الأموال عبر الهاتف المحمول عام 2013، ما يؤكد ارتباط التوسع الرقمي بتطوير آليات الحماية.
وشدّد على أن الشفافية نقطة البداية لمواجهة الاحتيال، وأن المؤسسة أطلقت «معايير أفضل ممارسات التمويل المسؤول» وتنفذ أحد أكبر برامجها في أفريقيا بمصر، إلى جانب دعمها إرشادات البنك الدولي للتقييم الائتماني ودورها في إنشاء مكاتب ائتمان عالميًا.
وأكد حرص المؤسسة على ضمان حصول العملاء على تقرير ائتماني مجاني سنويًا على الأقل، وإمكانية تقديم شكاوى للبنك المركزي وتصحيح البيانات، مع التأكيد على ضرورة الحصول على موافقة واضحة من العملاء على استخدام بياناتهم الشخصية.
ورأى نوار أن الأمن السيبراني صار التحدي الأبرز في المرحلة الحالية، وأن مواجهة الاحتيال معركة مستمرة تتطلب إبقاء معدلاته ضمن مستويات يمكن السيطرة عليها، دون أن يمثل ذلك عائقًا أمام تطور التكنولوجيا المالية أو تبني الذكاء الاصطناعي، ما دامت الأدوات والأطر المناسبة تتطور بالتوازي.
ويُذكر أن «PAFIX» يُعد أحد الفعاليات المتخصصة المصاحبة لـ«Cairo ICT»، ويقام تحت رعاية البنك المركزي المصري، ويركز على مستجدات المدفوعات الرقمية والخدمات المالية والتكنولوجيا المصرفية، مع إتاحة منصة للبنوك والمؤسسات المالية وشركات التقنية ومزودي خدمات الدفع لاستعراض ابتكاراتهم وبناء شراكات جديدة.

التعليقات