التخطي إلى المحتوى

زلزال سياسي غير مسبوق يضرب إسرائيل

تشهد الساحة السياسية في إسرائيل تحولاً استراتيجياً بالغ الخطورة، إذ لم يعد الحديث يدور حول تغيير حكومة أو تعديل تحالفات، بل حول انهيار كامل لبنية نفوذ كانت قائمة على مدى أكثر من عقد ونصف.

فبنيامين نتنياهو، أطول من شغل منصب رئيس الوزراء في تاريخ إسرائيل، وجد نفسه فجأة خارج معادلة الحكم، بعد أن كان يظن أن مقعد القيادة ملكٌ دائم لا يُنازَع عليه.

هذه اللحظة لم تكن مجرد انتقال روتيني للسلطة، بل كانت بمثابة إعلان رسمي لبداية العد التنازلي لانهيار إمبراطورية حزبية بُنيت على مدار سنوات من المناورات السياسية والتوازنات الهشة داخل الكنيست.

تكليف آيزنكوت: القرار الذي أعاد رسم الخريطة السياسية

في خطوة وُصفت بالمفصلية والتاريخية، اتخذ الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج قراراً حاسماً يوم السبت الموافق 7 نوفمبر 2026، بإسناد مهمة تشكيل الحكومة الجديدة إلى غادي آيزنكوت، زعيم حزب «يشار».

لم يكن هذا القرار مجرد إجراء دستوري، بل كان رسالة سياسية واضحة تعلن رسمياً نهاية مرحلة الهيمنة الطويلة التي قادها نتنياهو، وتفتح الباب أمام ترتيبات سياسية جديدة تعيد رسم خريطة التحالفات الحزبية داخل الكنيست.

وقد جاء هذا التكليف وسط تراجع حاد في شعبية اليمين المتطرف، وفي ظل ضغوط شعبية متصاعدة تطالب بإنهاء حالة الجمود السياسي والانفلات الأمني.

ويُعد آيزنكوت، القادم من خلفية عسكرية أمنية واسعة، شخصية تجمع بين خبرة ميدانية طويلة ونهج سياسي أكثر براغماتية من سلفه، ما يجعله قادراً على استقطاب شرائح واسعة من الناخبين في الوسط السياسي، وأيضاً على بناء جسور تواصل مع قوى خارجية حساسة تجاه سياسات نتنياهو التصادمية.

ويمثل صعوده تحولاً في مزاج الرأي العام الإسرائيلي، الذي بدأ يبحث عن قيادة جديدة تستعيد الثقة المفقودة في المؤسسات وتعيد ترتيب أولويات الدولة.

فقدان الحصانة وسقوط المظلة السياسية

مع خروجه الفعلي من دائرة صنع القرار وفقدان مظلة الحماية السياسية التي كانت تؤجل مثوله أمام القضاء، وجدت القضايا الجنائية وملفات الفساد الثقيلة طريقها للتنفيذ المباشر ضد نتنياهو.

وتؤكد الدوائر السياسية والإعلامية أن الأيام المقبلة ستكون الأشد قسوة في حياته، إذ لم يعد بمقدوره المناورة أو تأجيل الجلسات، لتتحول رحلته من قمة المجد السياسي إلى مواجهة مصير محتوم خلف القضبان.

وتشمل الملفات المفتوحة ضده اتهامات بالرشوة والخداع وإساءة استغلال الثقة، وهي قضايا كانت تُدار تحت غطاء المنصب، لكنها اليوم أصبحت عارية أمام القضاء بلا حصانة ولا غطاء.

ماذا يعني ذلك للمستقبل السياسي في إسرائيل؟

لا يقتصر تأثير هذا التحول على مصير نتنياهو الشخصي، بل يمتد ليشمل إعادة تشكيل المشهد الحزبي بالكامل.

فحزب الليكود، الذي ارتبط اسمه لعقود بشخص نتنياهو، أصبح أمام اختبار وجودي حقيقي: هل يستطيع الاستمرار دون قائده التاريخي، أم سيتفكك إلى كتل متنافسة؟ وفي المقابل، قد يفتح صعود آيزنكوت المجال لتشكيل حكومة أكثر استقراراً قادرة على معالجة الاستحقاقات الاقتصادية والأمنية الملحة، مع إمكانية إعادة تعريف العلاقات الإقليمية والدولية لإسرائيل بعيداً عن سياسات المواجهة التي ميزت العقد الأخير.

وفي المحصلة، تبدو إسرائيل اليوم على أعتاب مرحلة انتقالية مصيرية، يقف فيها نتنياهو وجهاً لوجه أمام احتمالات كان يتجنبها طوال مسيرته: المحاكمة، وفقدان النفوذ، وربما السجن.

أما آيزنكوت، فيحمل على عاتقه مهمة صعبة تتمثل في إعادة بناء الثقة السياسية في دولة تعاني من استقطاب داخلي حاد وانقسام اجتماعي عميق.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *