في السنوات الأخيرة، تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي من فضاء للتواصل إلى ساحة مفتوحة لمئات الصفحات والحسابات التي تنشر وصفات طبية وعلاجات دوائية وعشبية يقدّمها أشخاص لا يملكون أي سند أكاديمي أو مهني معتبر.
وقد أدى هذا الانتشار الواسع إلى حالة من القلق العام لدى المواطنين، الذين وجدوا أنفسهم أمام ممارسات تمس صحتهم بشكل مباشر وتهدد بوقوع كارثة صحية حقيقية، ما دفعهم للبحث عن الموقف الشرعي والقانوني من هذه الظاهرة.
حكم تداول الوصفات الطبية من غير المتخصصين شرعاً
حسمت دار الإفتاء المصرية الجدل الدائر حول هذه القضية بعد أن تلقت عدداً كبيراً من الأسئلة والاستفسارات من مواطنين يعانون من تفشي هذه الظاهرة.
وأكدت الدار في إجابتها أن ممارسة مهنة الطب أو تقديم الاستشارات الدوائية ووصف العلاجات للمرضى عبر الإنترنت لا يجوز شرعاً إلا لمن تتوافر فيه الشروط المهنية والعلمية، وحصل على التراخيص الرسمية المعتمدة من الجهات المختصة في الدولة، لأن الأصل في هذه المهنة أنها من باب الأمانة العلمية والمسؤولية الشرعية معاً.
مخاطر تقديم النصائح العلاجية دون علم
وشددت الفتوى الصادرة عن دار الإفتاء على أن العبث بصحة الأرواح البشرية من خلال تقديم معلومات طبية غير دقيقة أو تجربة خلطات عشوائية مستوحاة من شبكات التواصل الاجتماعي يُعدّ نوعاً من الغش والضرر المحرم شرعاً.
فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإضرار بالنفس والآخرين، والطب علم دقيق يعتمد على التشخيص الفاحص والعلم التجريبي والدراسات السريرية، وليس على التخمين والاجتهادات الشخصية التي يمارسها غير المختصين بهدف حصد الإعجابات والمشاهدات فقط دون مراعاة لحياة الناس.
الفرق بين النصيحة الطبية العلمية والمحتوى الصحي المضلل
يكمن الفرق الجوهري بين النصيحة الطبية الموثوقة والمحتوى الصحي المضلل في ثلاثة عناصر أساسية: المؤهل العلمي للمتحدث، ووجود فحص سريري وتشخيص دقيق لحالة المريض، والمسؤولية القانونية والمهنية المترتبة على الخطأ.
فبينما يعتمد الطبيب المرخّص على تاريخ المريض المرضي والتحاليل والفحوصات، يعتمد أدعياء العلاج على العموميات والقصص الفردية والتجارب المزعومة، وهو ما يجعل الترويج لوصفة واحدة صالحة لكل الناس أمراً مخالفاً لأبسط مبادئ الطب.
الأثر القانوني لهذه الممارسات في التشريعات العربية
إلى جانب الحكم الشرعي، فإن معظم الأنظمة القانونية العربية تجرّم مزاولة مهنة الطب والترويج لمستحضرات طبية دون ترخيص، وتفرض عقوبات قد تصل إلى الغرامات المالية الكبيرة والحبس بحسب حجم الضرر الواقع.
كما أن الترويج لأدوية مجهولة المصدر قد يندرج تحت جرائم الغش التجاري وانتحال الصفة العلمية، وهي مواد قانونية تطبق في دول عدة، ما يعني أن المسؤولية هنا ليست أخلاقية ودينية فحسب، بل مجرّمة قضائياً أيضاً.
كيف تميّز الوصفة الطبية الحقيقية من المحتوى المزوّر؟
يضعhcchdarاء عدة مؤشرات عملية تساعد المواطن على التمييز، منها: التحقق من اسم المتحدث وصفحه وترخيصه المهني، والتأكد من عدم وجود وعود بعلاج نهائي سريع أو نتائج خارقة، والحذر من الرسائل التي تطلب بيانات شخصية أو تدفع نحو شراء منتجات بعينها عبر روابط تجارية.
كما يُنصح بعدم شراء أي دواء أو مستحضر عشبي دون استشارة طبيب أو صيدلي مرخّص، وبعدم اتباع أي وصفة تعتمد على رفض العلاج الطبي المثبت.
رسالة تحذير للمواطنين عبر منصات التواصل
وفي ختام توجيهاتها، أطلقت الجهات المعنية وعلماء الدين نداءً عاجلاً للمواطنين بضرورة توخي الحذر الشديد وعدم الانسياق خلف هذه الصفحات الوهمية التي تروج لأدوية مغشوشة أو وصفات عشبية غير مأمونة العواقب.
وأكدوا أن اللجوء إلى الأطباء الحقيقيين والمستشفيات المعتمدة هو الطريق الوحيد للحفاظ على الصحة العامة وسلامة الأبدان، محذرين من استغلال آلام المرضى للتجارة الإلكترونية الرخيصة.
وفي المحصلة، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على عاتق الجهات الرقابية وحدها، بل تستلزم وعياً مجتمعياً ومراجعة لنموذج المحتوى الصحي الذي يستهلكه الناس يومياً، حتى يبقى سؤال «من له حق الحديث في صحة الناس؟» حاضراً في كل قرار علاجي يتخذه المواطن بناءً على منشور عابر.

التعليقات