شهد ملف عمال توصيل الطلبات، المعروفين في الشارع المصري باسم «الدليفري»، تطورات لافتة على الصعيدين التشريعي والعمالي، إذ باتت حقوق هذه الفئة الحيوية محل نقاش موسع تحت قبة مجلس النواب، في خطوة تستهدف ترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية وتوفير الأمان الوظيفي والمعيشي لهم ولأسرهم في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة.
الحصر وقاعدة البيانات: الخطوة الأولى نحو المظلة التأمينية
أكد الدكتور محمد سعفان، وزير القوى العاملة الأسبق ورئيس لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، أن البدء الفعلي في حصر أعداد عمال الدليفري بمختلف المحافظات، وتدشين قاعدة بيانات مركزية ومحدثة لهم، يمثلان حجر الأساس والركيزة الأولى لدمجهم في منظومة الحماية الاجتماعية والصحية التي تسعى الدولة إلى تقديمها للعمالة غير المنتظمة وأصحاب المهن الحرة.
وأوضح سعفان أن وجود قاعدة بيانات دقيقة يمكّن الجهات المعنية من تحديد الأعداد الحقيقية للعاملين في هذا القطاع، وتقدير احتياجاتهم، وبناء سياسات دعم مستهدفة تشمل الرعاية الصحية والتأمين الاجتماعي والحد الأدنى من الحماية القانونية، بدلاً من الاعتماد على تقديرات غير رسمية.
قطاع واسع بين الفرص والمخاطر اليومية
يضم قطاع توصيل الطلبات في مصر مئات الآلاف من العاملين، غالبيتهم من الشباب، ويعملون عبر تطبيقات إلكترونية ومنصات رقمية أصبحت جزءاً أصيلاً من الاقتصاد الحديث.
ويواجه هؤلاء العمال مخاطر يومية متعددة، من بينها حوادث الطرق أثناء التنقل بين الوجهات، وضغوط الالتزام بمواعيد التسليم، وتقلب الدخل بحسب حجم الطلبات، فضلاً عن غياب عقد عمل رسمي يحفظ حقوقهم في حالات التعطل أو الإصابة.
وتبرز هذه التحديات الحاجة إلى تدخل تشريعي وتنظيمي حاسم يضمن حصولهم على حقوقهم العمالية، وتوفير بيئة عمل آمنة، ودراسة آليات إدراجهم ضمن مظلة التأمينات الاجتماعية لضمان مستقبل مستقر لهم ولأسرهم.
أبعاد التنظيم التشريعي المرتقب
يشمل التحرك البرلماني المرتقب عدداً من المحاور الجوهرية، من أبرزها تحديد طبيعة العلاقة بين العامل وتطبيقات التوصيل، وما إذا كانت تُصنف كعلاقة عمل أم تعاقد حر، إلى جانب بحث صيغ تأمينية مرنة تلائم طبيعة العمل بالمهام والأجر المتغير.
كما تتضمن المناقشات دراسة آليات لحماية العاملين من مخاطر الطرق، وتوفير تغطية تأمينية ضد الإصابات، والارتقاء بشروط السلامة والصحة المهنية في هذا القطاع.
ويمثل التنسيق بين وزارة القوى العاملة ووزارة التضامن الاجتماعي والهيئة القومية للتأمين الاجتماعي والنقابات العمالية ركيزة أساسية لإنفاذ أي إطار تنظيمي جديد، بما يضمن توازناً بين مصالح العاملين واستمرارية نمو الاقتصاد الرقمي.
نحو عدالة اجتماعية أشمل
يُعد هذا التحرك خطوة في مسار أوسع لتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل العمالة غير المنتظمة وأصحاب المهن الحرة، بما يعكس توجهاً نحو الاعتراف بصور العمل الجديدة التي فرضتها التحولات الرقمية.
وإذا ما تُرجمت هذه الجهود إلى تشريعات فعلية، فإنها قد تمثل نقطة تحول في حياة مئات الآلاف من عمال الدليفري وأسرهم، وتعزيز الشعور بالأمان الوظيفي والانتماء إلى منظومة قانونية تحفظ حقوقهم.

التعليقات