التخطي إلى المحتوى

في إطار جهودها المستمرة لتصحيح المفاهيم المغلوطة ونشر الوعي الديني بين أفراد المجتمع، أصدرت دار الإفتاء المصرية بياناً موسعاً سلّطت فيه الضوء على الدلالات الإيمانية العميقة لعدد من الآيات القرآنية الكريمة، وكان على رأسها تفسير قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُونَ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، وذلك في خطوة توعوية تهدف إلى إزالة اللبس الذي قد يعتري فهم بعض النصوص الشرعية.

التفسير الصحيح لآية المكر الإلهي

أوضحت لجنة الفتوى بدار الإفتاء أن لفظ “المكر” حين يُنسب إلى الله عز وجل لا يحمل المعنى الذميم الذي يُقصد به الخداع أو الإيقاع بالآخرين بغير حق، إذ إن الله سبحانه منزّه عن كل نقص، بل يُراد به التدبير الحكيم والجزاء العادل للمعتدين.

فالله تعالى يردّ كيد الكائدين والمتربصين بالحق إلى نحورهم، ويُبطل مخططاتهم التي يحيكونها في الخفاء، إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

وأشارت اللجنة إلى أن وصف الله تعالى بأنه “خير الماكرين” يعكس قدرته المطلقة على إحباط تدابير أعداء الدين والعدل، فمهما بلغ دهاء المخططين فإن تدبير الله فوق تدبيرهم، وعاقبة أمره هي الغلبة والنصر للحق.

ويُستفاد من الآية كذلك طمأنة المؤمنين بأن من يتوكل على الله ويثبت على الحق لن يضره كيد الكائدين، ما دام الله تعالى مطلعاً على سرائرهم ومحيطاً بمكائدهم.

وتُعدّ هذه الآية الكريمة من آيات السورة التي نزلت في سياق تدبير المشركين لقتل النبي صلى الله عليه وسلم أو إخراجه من مكة، فجاءت لبيان أن الله تعالى أحبط مخططهم وأعاد تدبيرهم عليهم، وهي بذلك تحمل دلالة تربوية مهمة في الثقة بنصر الله واليقين بعدله.

تحذير شديد اللهجة من التجسس وتتبع عورات الآخرين

وفي سياق متصل، اغتنمت دار الإفتاء هذه المناسبة الدينية لإطلاق تحذير مجتمعي صارم ضد ممارسات التجسس وتتبع عورات الناس والبحث عن أسرارهم في حياتهم اليومية، مؤكدة أن الشرع الحنيف حرّم هذه الأفعال جملةً وتفصيلاً.

وبيّنت الدار أن تتبع عورات الآخرين والتنصّت على أسرارهم يهدم الثقة بين أفراد المجتمع، ويزرع العداوة والبغضاء بين الناس، ويورث الشحناء والفرقة، كما أنه يجلب سخط الله وعقابه في الدنيا والآخرة.

واستشهدت في ذلك بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: “يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفضِ الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيّروهم ولا تتّبعوا عوراتهم، فإنه من تتبّع عورة أخيه المسلم تتبّع الله عورته، ومن تتبّع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله”.

وفي ختام بيانها، دعت دار الإفتاء جميع أفراد المجتمع إلى الانشغال بإصلاح النفس والعمل على تقويمها بدلاً من مراقبة الآخرين وتتبع زلاتهم، لافتة إلى أن سلامة الصدور ونقاء القلوب من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية، وأن بناء مجتمع متماسك قائم على الثقة والاحترام المتبادل يبدأ من كل فرد في محيطه الخاص.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *