أعاد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بجمهورية مصر العربية، الجدل إلى الواجهة مجدداً حول أحد أكثر التعبيرات القرآنية إثارة للتساؤل، وهي قوله تعالى: «ووجدك ضالاً فهدى»، وذلك خلال توضيح مفصّل قدّمه عبر أحد البرامج التلفزيونية، سعى من خلاله إلى رفع الالتباس الذي قد يتشكّل في أذهان كثير من الناس عند سماع ظاهر اللفظ.وتأتي أهمية هذا التوضيح من كونه يتصدى لفهم شائع يختزل الآية في معنى الضياع الحرفي، بينما يحمل النص القرآني – بحسب الجندي – دلالات أوسع تلتقي مع عمق اللغة العربية وثراء معجمها، وهو ما يجعل هذه القراءة محطة نقاش واسعة بين المهتمين بالدراسات القرآنية واللغوية على حد سواء.
الدلالة اللغوية لكلمة «وجد» بين المعجم والسياق
ركّز الشيخ خالد الجندي في شرحه على أن المفردة القرآنية لا تُقرأ بمعزل عن سياقها، ولا تُفهم إلا في ضوء قواعد العربية التي نزل بها النص.وأوضح أن الفعل «وجد» في معاجم اللغة العربية لا ينحصر في معنى «التقى بـ» أو «صادف»، بل يمتد ليشمل معنى «أوجد» أي أنشأ وصنع وخلق، بحسب البنية السياقية التي يرد فيها الفعل.وبناءً على هذا الطرح، فإن الآية الكريمة تُقرأ في إطار تعداد النعم الإلهية على النبي محمد ﷺ: فقد أوجده الله وخلقه، ثم هداه إلى سبيل الرشاد، وهو تفسير يتسق – وفق صاحبه – مع نظم الآيات السابقة واللاحقة ومع الإعجاز البلاغي للنص القرآني.ويشير أهل اللغة إلى أن الفعل «وجد» يأتي في العربية على أوجه متعددة: منها وجد الشيء بمعنى لقيَه وأصابه، ووجد بمعنى غَضِب، ووجد بمعنى استغنى وكثُر ماله، كما في قوله تعالى «وجدك عائلاً فأغنى»، وفيها توجيه لغوي دقيق يجعل قراءة العلماء للآية متوقفة على سياقها لا على اشتقاقها الصوتي وحده.
وقد سار المفسرون القدامى – كابن جرير الطبري والقرطبي وابن كثير – في هذا الاتجاه حين حاكموا المعنى إلى السياق العام لسورة الضحى التي تحمل طابع التسلية والمواساة للنبي ﷺ وتذكيره بنعم ربه عليه.
لماذا أثار التفسير كل هذا الجدل؟
يعود حجم التفاعل مع هذا الطرح إلى طبيعة القضية ذاتها، فالآية من أشهر ما يتوقف عنده القارئ العادي، وقد ارتبط في أذهان البعض بفهم حرفي أثار تساؤلات قديمة.وإعادة تقديم المعنى في إطار لغوي محكم يفتح الباب أمام ثلاثة مسارات من النقاش:
- مسار التأييد: إذ رأى فيه مؤيدون جهداً لتبسيط الفهم الصحيح وتقريب النص من جمهور غير متخصص، وإزالة شبهات قد تُبنى على قراءة قاصرة.
- مسار التحفظ: حيث رأى بعض المتابعين أن التقيد بالتفسير المأثور عن علماء الأمة أولى من التوسع في الاحتمالات اللغوية في هذا الموضع تحديداً.
- مسار منهجي: وقد نظر أصحابه إلى القضية كفرصة لتسليط الضوء على أهمية جمع التفسير بالرواية مع التفسير بالدراية، والربط بين علوم اللغة وعلوم القرآن دون إهمال أحدهما.
من هو خالد الجندي وبين أي مدرستين يقف؟
يُعرَف خالد الجندي بكونه من أكثر الدعاة حضوراً في المشهد الديني المصري، وله حضور إعلامي مستمر في برامج الفتوى والتفسير.ويأتي هذا الطرح اللغوي في سياق نهجه الذي يركز على إعمال أدوات العربية في فهم النص، وهو نهج يضع صاحبه بين مدرستين: مدرسة تفتح باب النظر اللغوي واجتهاد السياق، ومدرسة تلتزم التفسير المأثور وتتحفظ على الاجتهادات التي قد تُفهم على غير مقصودها.وفضلاً عن قيمة الخبر ذاته، يكشف هذا النقاش عن حاجة الجمهور المتزايدة إلى شرح قرآني يجمع بين دقة اللغة وبساطة الطرح، ويقدم للناس ما يطمئن قلوبهم ويرفع عنهم حيرة التساؤلات، دون أن يفتح أبواباً للفهم الأعوج في ظاهر النصوص.
الخلاصة
يظل معنى «ووجدك ضالاً فهدى» مناسبة دائمة للوقوف على عظمة اللغة العربية ومرونة دلالاتها، وللربط بين التفسير والسياق والعقيدة.وقد أضاف توضيح الشيخ خالد الجندي إليه بُعداً جديداً في النقاش العام، سواء بالاتفاق أو بالاختلاف، وهو ما يؤكد أن التفاعل مع النص القرآني حيٌّ ومتجدد، وأن كل جيل يقرأه بأدواته وبوعيه، لكنه يبقى في الأصل محكوماً بضوابط اللغة وبميزان التفسير المعتبر.

التعليقات