التخطي إلى المحتوى

في شهادة تاريخية نادرة تكشف خبايا واحدة من أحرج اللحظات التي مر بها التراث الإنساني، رفع عالم الآثار المصري البارز الدكتور زاهي حواس، وزير الآثار الأسبق وأمين عام المجلس الأعلى للآثار سابقاً، الستار عن تفاصيل مثيرة وصادمة حول كواليس اقتحام المتحف المصري بالتحرير خلال أحداث ثورة 25 يناير 2011، وكيف تمكنت الدولة وجهاتها الأمنية من إنقاذ كنوز الأجداد من الضياع وسط فوضى عارمة اجتاحت البلاد آنذاك.

ساعات الفوضى الأولى واقتحام المتحف المصري

أوضح عالم الآثار العالمي خلال تصريحاته التلفزيونية والوثائقية أن الساعات الأولى لاقتحام المتحف المصري كانت كفيلة بإصابة أي محب للتاريخ بالذعر الشديد؛ إذ استغل اللصوص ومثيرو الشغب حالة الانفلات الأمني التي صاحبت تلك المرحلة الفارقة لاختراق أسوار المتحف التاريخي الواقع في قلب ميدان التحرير، والعبث بمحتوياته الفريدة بحثاً عن آثار نادرة وثمينة لبيعها أو تهريبها، في مشهد هدد هوية مصر الحضارية بخطر حقيقي لا يقل ضراوة عن الأزمات السياسية الكبرى.

ويؤكد حواس أن غياب الحماية الأمنية في تلك الساعات الحرجة كان العامل الأهم في تسهيل عملية الاقتحام، حيث واجه العاملون بالمتحف والمسؤولون عن الآثار موقفاً بالغ الصعوبة في ظل غياب قوات الشرطة عن المشهد، قبل أن يتحرك عدد من المواطنين الشرفاء لمساعدتهم في صد المعتدين، في صورة عكست ارتباط المصريين بتراثهم وحضارتهم.

54 قطعة أثرية نادرة.

حصيلة السرقة وكيف استعادتها مصر؟

.

وفي مفاجأة تعكس دقة الحصر وحجم الخسائر الحقيقي، أكد الدكتور زاهي حواس أن الأيدي الآثمة امتدت وسرقت نحو 54 قطعة أثرية فقط من بين آلاف القطع النادرة المحفوظة داخل المتحف المصري.

ورغم ضآلة العدد مقارنة بحجم المتحف الضخم، فإن كل قطعة تمثل قيمة تاريخية لا تُقدَّر بثمن، ومن أبرزها تماثيل ذهبية ومقتنيات تعود إلى عصور فرعونية مختلفة، كان بعضها ضمن مقتنيات الملك توت عنخ آمون.

وأشار حواس إلى أن الأجهزة المعنية والجهات الأمنية، بالتعاون مع قطاع الآثار واليونسكو والإنتربول الدولي، لم تهدر وقتاً؛ حيث خاضت رحلة بحث مكثفة ومضنية تكللت بالنجاح في تتبع تلك القطع المفقودة واستعادة جميعها كاملة غير منقوصة، لتستقر مجدداً في مكانها الطبيعي وتعود إلى حضن التاريخ المصري الخالد.

وقد ساعد في عمليات الاستعادة التحقق الدقيق من قوائم الجرد الأصلية وتقارير التصوير التي وثقت حالة كل قطعة قبل الاقتحام.

لماذا نجح المتحف في حماية آلاف القطع وليس 54 فقط؟

يرجع الخبراء نجاح المتحف في الحفاظ على الغالبية العظمى من كنوزه إلى عدة أسباب، من بينها أن القطع الأثقل والأكثر أهمية كانت محفوظة في خزائن وفاترينات محصنة داخل قاعات داخلية يصعب الوصول إليها بسرعة، بينما اقتصرت السرقات على قطع صغيرة قابلة للحمل موجودة في مواقع قريبة من نقاط الدخول.

كما أن سرعة استجابة العاملين بالمتحف وقرار نقل القطع الأثرية من الفاترينات إلى المخازن المحصنة، إضافة إلى وعي المتظاهرين السلميين بضرورة حماية المتحف، كانت عوامل حاسمة في إنقاذ التراث.

وقد تحول هذا الحدث لاحقاً إلى درس مهم في إدارة الأزمات المرتبطة بالمتاحف والمواقع الأثرية في أوقات الاضطرابات المدنية.

درع التراث.

إجراءات جديدة لحماية كنوز مصر

.

على أثر هذه الواقعة، شهدت منظومة تأمين المتاحف المصرية تطويراً شاملاً، تضمن تعزيز أنظمة المراقبة بالكاميرات الحديثة، وإدخال تقنيات الإنذار المبكر، وتشديد إجراءات الجرد الدوري للقطع الأثرية، إلى جانب تدريب فرق حماية خاصة للتعامل مع المواقف الطارئة.

كما أسهمت التجربة في تعزيز التعاون الدولي مع المنظمات المعنية بمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.

ويبقى حدث اقتحام المتحف المصري شاهداً على هشاشة التراث الإنساني في أوقات الفوضى، ودليلاً على أن حماية الآثار مسؤولية جماعية تتجاوز حدود المؤسسات لتشمل كل مواطن، وهو ما يرويه زاهي حواس اليوم كصفحة مؤلمة لكنها حافلة بالدروس من تاريخ مصر الحديث.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *