في مشهد ثقافي يعكس وعي الأجيال الجديدة وشغفها بالسينما، برز تفاعل لافت لعدد من الشباب والأطفال في مرحلة الإعدادية خلال الندوة النقدية التي أعقبت عرض الفيلم النادر «الطريق إلى الله – ثلاثية شادي عبد السلام» على مسرح أوبرا دمنهور، إذ طرحوا أسئلة متميزة اتسمت بالعمق والوعي وتجاوزت في مضمونها أعمارهم، وتطرقت إلى التقنيات السينمائية المستخدمة وأساليب الإنتاج ومراحل تنفيذ العمل، وهو ما نال إعجاب الحاضرين وأضفى على الأمسية حالة من الحيوية والتفاعل، في مؤشر واضح على أهمية تنمية الوعي السينمائي لدى النشء وفتح آفاق المعرفة والإبداع أمامهم.
وجاء ذلك ضمن الأمسية السينمائية والثقافية التي نظمتها دار الأوبرا المصرية برئاسة الأستاذ الدكتور رضا الوكيل، بالتعاون مع المركز القومي للسينما برئاسة الدكتور أحمد صالح، من خلال الإدارة العامة للنشاط الثقافي والفكري بإشراف الأستاذ محمد ظريف، في إطار فعاليات نادي السينما على مسرح أوبرا دمنهور، حيث عُرض الفيلم النادر «الطريق إلى الله – ثلاثية شادي عبد السلام».
وأعقب العرض ندوة نقدية وفنية تناولت أبعاد العمل ورؤيته الفكرية والجمالية، بمشاركة الدكتور محسن أحمد مدير التصوير، والأستاذة أمل عبد المجيد ممثلة المركز القومي للسينما، وأدارها الناقد السينمائي أحمد سعد الدين.
وشهدت الأمسية حضورًا جماهيريًا لافتًا من مثقفي وشباب محافظة البحيرة، إلى جانب عدد من الأطفال الذين قدموا نموذجًا إيجابيًا للمشاركة الثقافية الواعية، فلم يقتصر تفاعلهم على مشاهدة الفيلم، بل امتد إلى المناقشة وطرح تساؤلات دقيقة حول أسرار الصناعة السينمائية، والتقنيات المستخدمة في التصوير، وأساليب الإنتاج، ومراحل تحويل الرؤية الفنية إلى عمل سينمائي.
وقد لاقت هذه الأسئلة اهتمامًا وإعجابًا من أعضاء المنصة، لما عكسته من فضول معرفي ووعي فني مبكر، في دلالة على قدرة السينما الجادة على مخاطبة مختلف الأجيال وإثارة اهتمامها.
وخلال الندوة، كشف الدكتور محسن أحمد عن جانب من خصوصية التجربة الإبداعية للمخرج الراحل شادي عبد السلام، مؤكدًا أنه كان يولي اهتمامًا بالغًا بالتفاصيل قبل بدء التصوير، إذ كان يرسم الشخصيات ويصمم الملابس والديكورات على الورق بدقة شديدة، مستندًا إلى دراسات أثرية وتاريخية عميقة، بما يضمن تحقيق أعلى درجات المصداقية البصرية والتاريخية في أعماله.
من جانبه، أشار الناقد السينمائي أحمد سعد الدين إلى أن شادي عبد السلام كان صاحب مشروع فني وفكري متفرد، حرص من خلاله على إبراز ملامح الهوية المصرية واستلهام تاريخها وحضارتها، مقدمًا رؤية سينمائية تتجاوز حدود الحكاية إلى التعبير عن الشخصية المصرية وخصوصيتها الثقافية.
وفي السياق ذاته، أوضحت أمل عبد المجيد أن الثلاثية تضم ثلاثة أجزاء؛ الأول بعنوان «الحصن»، والثاني «الدنداراوية»، فيما يقدم الجزء الثالث للمشاهدين تصورًا عن ملامح الحلم السينمائي الذي لم يكتمل للمخرج الكبير الراحل، والمتمثل في مشروعه «مأساة البيت الكبير – أخناتون» الذي يُعد من أبرز مشروعاته السينمائية الأخيرة، حيث أُنجز جزء منه قبل رحيله، بينما تولى تلميذه وصديقه الأستاذ الدكتور مجدي عبد الرحمن استكمال مراحله النهائية، اعتمادًا على المادة المصورة التي تركها المخرج الراحل، إلى جانب مذكراته ومسوداته التفصيلية.

التعليقات