علبة التونة.
بين السهولة والوجبة السريعة وخطر خفي يهدد صحتك.
لا يخلو مطبخ مصري من علبة تونة احتياطية، فهي الوجبة السريعة التي يعتمد عليها طلاب الجامعات والموظفون وأصحاب الإيقاع اليومي المتسارع.
لكن ما كان يُنظر إليه كحل عملي وسريع أصبح اليوم محور تحذيرات طبية وصدمات متتالية كشف عنها المتخصصون، ما أثار حالة من القلق بين المستهلكين بعد الحديث عن مخاطر خفية تهدد الصحة العامة بشكل مباشر.
تراكم المعادن الثقيلة في أنسجة الأسماك الكبيرة
أكد الكيميائي رامز سعد، المتخصص في علوم التحاليل والسموم، أن هناك مخاطر صحية جسيمة ترتبط بطريقة حفظ وتعبئة الأسماك، وعلى رأسها التونة.
فأسماك التونة الكبيرة تقضي سنوات طويلة في البحار، وهو ما يجعلها عرضة لتراكم نسب عالية من المعادن الثقيلة مثل الزئبق والكادميوم والزرنيخ في أنسجتها، عبر السلسلة الغذائية التي تبدأ بالكائنات البحرية الصغيرة وتنتهي بها.
ويتضاعف هذا التراكم مع عمليات التصنيع والتعليب والتخزين لفترات طويلة داخل العلب المعدنية، حيث قد تتفاعل بعض المواد الكيميائية الخطرة مع محتوى العلبة لتتحول إلى سموم بطيئة تدمر خلايا الجسم دون سابق إنذار.
كيف تصل هذه السموم إلى جسمك؟
تتشكل المخاطر على عدة مستويات متداخلة: أولها التلوث البيئي للبحار والمحيطات بمخلفات المصانع والصناعات الثقيلة، وثانيها تكوّن طبقة «الورنيش» الداخلي الذي يبطن العلب المعدنية لحماية الطعام من الصدأ، وهي مادة قد تتسرب إلى الزيت أو الماء المحيط بالسمك بمرور الوقت أو عند التخزين في درجات حرارة مرتفعة، وثالثها احتمال تلامس السمك مع معادن العلبة في حال وجود خدوش أو ثقوب دقيقة.
ومن أبرز السموم المترتبة على ذلك مادة «البيسفينول أ» الواسعة الاستخدام في تغليف المعلبات، والتي أظهرت دراسات عديدة ارتباطها باضطرابات هرمونية ومشاكل في القلب والخصوبة.
أعراض قد لا تنتبه إليها
التسمم البطيء الناتج عن هذه المعادن لا يظهر فجأة، وهو أخطر ما فيه.
قد يشعر الشخص بإرهاق مستمر، أو صداع متكرر، أو ضعف في التركيز والذاكرة، أو اضطرابات هضمية بسيطة، ويظن أن السبب مجرد إجهاد يومي، بينما تكون هذه إشارات مبكرة لتراكم مزمن يتطلب سنوات ليظهر أثره الحقيقي على الكلى والجهاز العصبي والمناعةespecially لدى الفئات الأكثر حساسية.
الفئات الأكثر عرضة للخطر
ليست كل الفئات متساوية في مواجهة هذه المخاطر.
الحوامل والأطفال هم الأكثر حساسية لأن الزئبق يؤثر على تطور الجهاز العصبي عند الجنين والأطفال الصغار، كما أن كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة مثل ضغط الدم وأمراض الكلى يكونون أقل قدرة على التخلص من المعادن المتراكمة.
أما من يعتمدون على التونة كوجبة يومية شبه ثابتة، فهم الأكثر عرضة لتراكم السموم في الدم مقارنة بمن يتناولونها بشكل متقطع.
نصائح ذهبية لحماية أسرتك من التسمم الغذائي
- اختر علامة تجارية موثوقة: اشترِ التونة من العلامات المرخصة من الجهات الرقابية، وتُفضّل التي تحمل بيانات واضحة عن المصدر وتاريخ الإنتاج والانتهاء.
- راقب سلامة العلبة: تجنّب تماماً أي علبة منتفخة من الأعلى أو الأسفل، أو بها انبعاجات أو خدوش أو آثار صدأ على السطح أو الحواف.
- افحص رائحة ولون السمك فور الفتح: أي رائحة نفاذة أو لون غير طبيعي أو تغير في قوام الزيت يعني عدم صلاحية المنتج.
- لا تُفرط في تناولها أسبوعياً: يكفي ما بين مرة إلى مرتين أسبوعياً كحد أقصى للبالغين، مع تقليل الكمية للأطفال والنساء الحوامل بشكل أكبر.
- تخلّص من الزيت المحفوظ: صفِّ التونة جيداً وتخلّص من الزيت أو المحلول الملحي الموجود في العلبة، لأنّ جزءاً كبيراً من المعادن قد ينتقل إليه.
- خزّن العلب في مكان جاف وبارد: تجنّب التخزين بالقرب من مصادر الحرارة المرتفعة لفترات طويلة، خاصةً في فصل الصيف.
- انسَ أنظمة «التنشيف» المتكررة: كل علبة تُفتح يجب أن تُستهلك في الحال أو تُحفظ في وعاء زجاجي مغلق بالثلاجة يوماً واحداً فقط.
بدائل صحية بنفس السرعة
إذا كنت تبحث عن وجبة سريعة غنية بالبروتين دون القلق من المخاطر نفسها، فالبدائل متاحة: التونة الطازجة أو الأسماك الصغيرة كالسردين والماكريل منخفضة التراكم بالمعادن الثقيلة، والبيض، والفول والعدس، والجبن القريش، والدجاج المشوي المسبق التحضير.
هذه خيارات تجمع بين السهولة والأمان، وتتيح لك تنويع نظامك الغذائي بدلاً من الاعتماد على مصدر واحد.
الخلاصة
علبة التونة ليست «قاتلة» بالضرورة، لكنّها ليست بريئة تماماً كما تخيّلنا.
التوازن هو الحل: التحقق من جودة العلبة وعلامتها التجارية، وعدم الإفراط في الاستهلاك، والانتباه للفئات الحساسة، كلها خطوات بسيطة تحمي صحة أسرتك دون أن تحرمك من وجبة سريعة يعشقها الجميع.

التعليقات