في شوارع مدينة طور سيناء بمحافظة جنوب سيناء، يخطو الحاج محمود عويد، البالغ من العمر 76 عاماً، خطواته اليومية وهو يدفع عربته الصغيرة الملوّنة التي تتصاعد منها رائحة السكر الذائب، في مشهد يلخّص معاني الصبر والكرامة والإصرار على العمل الحلال.
ورغم تجاوزه السبعين، يواصل “عم محمود” رحلته في مواجهة قسوة الحياة، ساعياً إلى تأمين قوت يومه بيديه بدلاً من الاستسلام لشبح التشرد أو مدّ يده للآخرين.
صانع البهجة في شوارع طور سيناء
لم يمنع تقدم السن عم محمود من حمل عربته البسيطة وتجواله بين الميادين والشوارع الرئيسية والفرعية، حيث أصبح وجهاً مألوفاً لدى سكان المدينة وزوارها.
وبابتسامة صادقة لا تغادر ملامحه، يحرص على إدخال السرور إلى قلوب الصغار الذين أطلقوا عليه لقب “صانع فرحة الأطفال”، إذ يقبلون على عربته لالتهام أعواد غزل البنات في مقابل قروش قليلة، لتبقى الفرحة أكبر من ثمنها بكثير.
غزل البنات: حرفة بسيطة ورسالة كبيرة
يعتمد عم محمود في صناعة غزل البنات على ماكينة صغيرة يديرها بمهارة اكتسبها عبر سنوات طويلة، فيحوّل السكر الخام إلى خيوط بيضاء ناعمة تلتف على العود أمام أعين الأطفال المندهشين.
وتُعد هذه الحرفة من الصناعات الشعبية القديمة التي ارتبطت بذكريات الطفولة في مصر، إذ كانت وما زالت رمزاً للفرح والأعياد والميادين العامة، وهو ما يمنح مشهد عم محمود بعداً أعمق من مجرد بيع حلوى، ليصبح حافظاً لتراث شعبي يتوارثه الصغار من الكبار.
تحدي الشيخوخة والبحث عن لقمة عيش حلال
رغم تجاعيد وجهه التي تكشف صعوبة الظروف وقسوتها، يرفض الرجل الاستسلام للبطالة أو التقاعد القسري، مفضلاً كسب عيشه بعرق جبينه بدلاً من انتظار عون الآخرين.
وتتحول مسيرته اليومية إلى درس عملي في الاعتماد على النفس والإرادة الصلبة، ورغم أن دخله محدود لا يكاد يغطي احتياجاته الأساسية، فإنه يجد في عمل شاق يومياً ورضا الناس وكلماتهم الطيبة ما يعوّضه عن متاعب الطريق.
درس من جنوب سيناء لكل الأجيال
لم يكن مشهد عم محمود مجرد حكاية بائع متجول، بل أصبح رمزاً للتحدي في وجه قسوة الحياة، ونموذجاً يجسّد أن العمل والكرامة لا يعرفان حدوداً للعمر.
ويستقبل سكان طور سيناء قصته بتقدير كبير، إذ يجدون فيه صورة للأب والجد الذي لا يرضى إلا أن يظل منتجاً وفاعلاً في محيطه، حتى في خريف العمر، مؤكدين أن أمثاله يمثلون قيم الصبر والعطاء التي تبقى حاضرة في الوجدان الشعبي.
وهكذا يبقى عم محمود متمسكاً بعربته الملوّنة، مبتسماً في وجه كل طفل ومارّ، يثبت أن لقمة العيش الحلال رغم صعوبتها مكسب ونصر، وأن ابتسامة صادقة قد تكون أغلى من كل ما في الدنيا.

التعليقات