لم تعد أزمة الصلاة أثناء التنقل في وسائل المواصلات العامة في مصر مجرد تساؤل عابر، بل أصبحت هماً يومياً يلازم ملايين المواطنين الذين يقضون ساعات طويلة بين الميكروباصات والأتوبيسات ومترو الأنفاق والقطارات، خاصة مع ذروة الازدحام المروري التي تلتهم الوقت وتضغط على ميقات الصلوات المفروضة.
وفي هذا السياق يتكرر السؤال المحوري: ما الموقف الشرعي الصحيح لمن أدركته صلاة الفريضة وهو على الطريق؟ وهل يُعذر المسلم في تأخيرها حتى يبلغ وجهته، أم يلزمه البحث عن بديل فوري لأدائها في وقتها دون إبطاء؟.
دار الإفتاء المصرية تحسم الجدل
في إطار حرص مؤسسة دار الإفتاء المصرية على الإجابة عن التساؤلات اليومية التي تشغل الشارع المصري، تصدى الشيخ أحمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء، لهذا الجدل الواسع ببيان تفصيلي يوضح الأحكام الفقهية المتعلقة بأداء الفروض المكتوبة أثناء التنقل والركوب في وسائل المواصلات العامة.
ويأتي هذا البيان في سياق سلسلة من الفتاوى التي تقدمها الدار لتيسير أمور المكلفين ورفع الحرج عنهم في ظل ظروف الحياة المعاصرة وما تفرضه من ضغوط وتحديات يومية.
كيف يصلي المسلم إذا تعذر النزول من وسيلة النقل؟
أكد أمين الفتوى أن الشريعة الإسلامية تقوم على قاعدة اليسر ورفع الحرج، وأن الله سبحانه وتعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، موضحاً أنه في حال أدرك المسلم وقت الصلاة وكان راكباً في وسيلة مواصلات، وكان يخشى فوات الوقت، ولم تكن هناك إمكانية للنزول في محطة أو استراحة لأداء الصلاة قائماً على الأرض بالصورة الصحيحة، فإنه يجوز له أن يصلي داخل وسيلة المواصلات بالحالة التي هو عليها، مستقبلاً القبلة إن استطاع ذلك، أو مومئاً بركوعه وسجوده في حال عجز عن النزول أو الخروج، وذلك حفاظاً على ركن الصلاة في وقتها.
وتفصيل الفقهاء في هذه المسألة مهم؛ فمن استطاع استقبال القبلة بسهولة أو بتكلفة يسيرة لزمه ذلك، ومن عجز لعذر كالزحام أو اتجاه المركبة، صلى على حاله وسقط عنه ما لا يقدر عليه.
ويُستحب لمن يصلي في المركبة أن ينوي الصلاة كاملة، ويكبر تكبيرة الإحرام قائماً إن أمكنه، ثم يتشهد في نهاية صلاته ويسلم.
وإذا توقف الركوع والسجود عن الإتيان بهما على هيئتهما الشرعية الكاملة، أتى بهما إيماءً بحسب استطاعته، ويجوز له رفع درجة الإيماء للسجود عن الركوع ليجمع بين ركني الصلاة قدر الإمكان، وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء.
ويشترط العلماء لصحة هذه الصلاة ألا يكون في تأخيرها حتى النزول فوات للوقت، فإذا كان الوصول إلى وجهته سيستغرق وقتاً طويلاً بحيث تخرج الصلاة عن وقتها، فإنه يجب أداؤها في المركبة على الهيئة المذكورة، لأن تحصيل الوقت أولى من تحصيل الهيئة الكاملة، إعمالاً لقاعدة “ما لا يُدرك كله لا يُترك كله”.
ويُذكَّر أيضاً بشرط الطهارة؛ فيلزم المسلم أن يكون على وضوء قبل ركوب المواصلات إن أمكنه ذلك، ومن تعذر عليه الطهارة بالماء لعذر يجوز له التيمم، وفي حالة انعدام إمكانية الطهارة بأي وسيلة يصلي على حاله قدر استطاعته ولا يؤخر الصلاة عن وقتها.
متى يجوز جمع الصلوات بسبب الزحام المروري؟
أوضح الشيخ أحمد وسام أن التأخير المتعمد للصلاة حتى يخرج وقتها لمجرد الزحام العادي يعد أمراً غير جائز شرعاً، بل هو من التهاون في أداء العبادة في ميقاتها المحدد، إذ إن الزحام في نفسه لا يُعد عذراً كافياً لإسقاط الصلاة عن وقتها أو تأخيرها عمداً.
واستثنى أمين الفتوى من ذلك حالات السفر الطويلة التي تجيز شرعاً جمع الصلاة، كالجمع بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء، جمع تقديم أو تأخير، وفقاً للضوابط الفقهية المعروفة.
وبيّن الفقهاء أن من ضوابط جمع الصلاة في السفر أن يكون السفر طويلاً يبلغ مسافة القصر شرعاً، وأن يبدأ المسلم في الجمع من وقت الصلاة الأولى أو أثناءه، وألا يكون الجمع عادةً دائماً حتى يصير تلاعباً بالصلاة وسخرية بها، بل غايته رفع الحرج واليسر على المسافر.
أما في حالة الإقامة والحضر، وفي حالات الازدحام المروري العادية التي لا ترقى إلى درجة السفر، فالأصل وجوب أداء كل صلاة في وقتها، ولا يجوز الجمع بينها إلا لسبب شرعي معتبر يُقدّره أهل العلم، كالمرض الشديد أو وجود شدة خارجة عن المعتاد تجعل أداء الصلاة متعذراً أو بالغ المشقة.
وشدد أمين الفتوى على ضرورة حرص المسلم قدر المستطاع على أداء العبادات في أوقاتها المحددة، وأن لا يتهاون فيها إلا للضرورة القصوى التي يقدّرها كل شخص بحسب ظروفه الخاصة، وأن يجعل الصلاة أولوية في ترتيب يومه وخروجه من المنزل، بحيث يتحرى المواعيد ويخطط لتنقلاته بما يضمن أداء الصلاة في وقتها قدر الإمكان.
أحكام تناولها الإجابة تستحق الانتباه
من الجوانب التي تضاف إلى ما سبق أن دار الإفتاء تحرص على التفرقة بين العذر الحقيقي الذي يعذر فيه العبد شرعاً وبين التعلل بالازدحام أو التعب أو كثرة المشاغل، فالأصل أن الصلاة هي أول ما يُحاسب عنه العبد يوم القيامة، ولا يجوز التلاعب بها أو تأخيرها عن وقتها تهاوناً.
وتجدر الإشارة إلى أن أداء الصلاة في وسيلة النقل صحيح إن كان لعذر، لكن الأولى للمسلم أن يتجنب مواطن ذلك متى أمكن، بأن يكون مستعداً قبل ركوبه وضوءاً ووقتاً، ويختار وسيلة نقل تتيح له أداء الصلاة، فإن اضطر فحكم الشرع يراعي يسره وقدرته.
ويمكن القول إن الخلاصة التي يتوصل إليها المكلف في هذا الباب تقوم على أن الصلاة ركن لا يُسقطه الزحام، وأن الميزان الشرعي هو فعل الصلاة في وقتها بأي هيئة ممكنة عند العجز، وعدم التهاون إلا لعذر معتبر، وأن دين الإسلام يجمع دائماً بين التيسير والتكليف، فيعطي كل ذي حق حقه دون إفراط أو تفريط.
وإذا تحققت هذه القاعدة أغنت المسلم عن الحيرة في مواقف التنقل والازدحام، وأعانته على أداء عبادته كما أمر الله.

التعليقات