التخطي إلى المحتوى

يشهد جنوب لبنان واحدة من أسوأ الكوارث البيئية في تاريخه الحديث، حيث تحوّلت مساحات شاسعة من الغابات الطبيعية والأراضي الزراعية إلى رماد، في ظل عمليات عسكرية استمرت شهوراً واستهدفت البشر والحجر والشجر على حد سواء، مخلفة خسائر فادحة في الموارد الطبيعية والاقتصادية للبلاد.

7300 هكتار من الأراضي الخضراء إلى رماد

كشفت أحدث البيانات الرسمية الصادرة في لبنان أن المساحات المتضررة تجاوزت حاجز 7300 هكتار في مناطق الجنوب، وذلك خلال فترة زمنية قصيرة لم تتجاوز خمسة أشهر فقط، امتدت بين شهري فبراير/شباط ويونيو/حزيران من عام 2026.

وتوزعت هذه الخسائر بين غابات حرجية كثيفة، وأحراج طبيعية، وأراضٍ زراعية كانت تشكل عصب الاقتصاد المحلي لسكان المنطقة.

وتشير التقديرات البيئية إلى أن كل هكتار واحد من الغابات المتوسطية يحتوي في المتوسط على ما بين 400 إلى 1000 شجرة، ما يعني أن مئات الآلاف من الأشجار قد فُقدت خلال هذه الفترة القصيرة، وهو رقم يتجاوز بكثير ما تنتجه برامج إعادة التحريج المحلية في سنوات كاملة.

استهداف ممنهج للثروة النباتية

أكدت التقارير الميدانية أن النيران الهائلة الناجمة عن الاعتداءات المتكررة أدت إلى القضاء على الثروة النباتية والأشجار المعمّرة، وعلى رأسها أشجار الزيتون البالغة من العمر مئات السنين، وأشجار الصنوبر والسرو والبلوط، في سياسة وصفتها الجهات المعنية بالاستهداف الممنهج للبنية التحتية البيئية والاقتصادية.

ويُعدّ الزيتون أكثر من مجرد محصول زراعي في جنوب لبنان، بل هو إرث عائلي ورمz ثقافي واقتصادي يعتمد عليه آلاف المزارعين.

فحرائق الزيتون لا تلحق خسارة موسم واحد فحسب، بل تدمر مورداً يتطلب عقوداً لاستعادة إنتاجه، مما يضاعف من حجم الضرر الذي يعجز المزارعون عن تعويضه.

أضرار بالتنوع البيولوجي وتلوث للهواء والتربة

تسبّبت هذه الحرائق الواسعة في أضرار بالغة في التنوع البيولوجي، حيث تضررت موائل الكائنات الحية من الطيور والزواحف والثدييات البرية، إضافة إلى تلوث الهواء والتربة بنسب مرتفعة من الجسيمات الدقيقة والغازات السامة.

وتؤدي الحرائق الكبيرة إلى تدمير الطبقة العضوية العليا من التربة، مما يزيد من خطر الانجراف والتعرية ويقلل من قدرة الأرض على تجديد الغطاء النباتي الطبيعي.

كما تسهم حرائق الغابات في إطلاق كميات ضخمة من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، مما يفاقم من تداعيات التغير المناخي على المنطقة، ويخلق حلقة مفرغة تزيد من احتمالية اشتعال حرائق جديدة في المستقبل بسبب ارتفاع درجات الحرارة وجفاف التربة.

تحذيرات من تداعيات طويلة الأجل

يترك هذا الوضع آثاراً كارثية تمتد لسنوات طويلة قادمة، إذ تحتاج الغابات المتوسطية إلى ما بين 15 و30 عاماً لاستعادة توازنها البيئي جزئياً على الأقل، بينما قد يستغرق استعادة التنوع الحيوي الكامل عقوداً.

وتزداد المشكلة تعقيداً بعجز فرق الإطفاء في كثير من الأحيان عن الوصول إلى بؤر النيران بسبب استمرار الأوضاع الميدانية المتوترة في المنطقة الحدودية، وعدم توفر المعدات والآليات اللازمة للتعامل مع حرائق بهذا الحجم.

تداعيات اقتصادية واجتماعية متشابكة

يعتمد سكان المناطق الجنوبية بشكل رئيسي على الزراعة وموسم الحصاد كمصدر دخل أساسي، وتدمير الأراضي الزراعية يعني فقدانهم سبل عيشهم إلى جانب فقدان منازلهم، ما يدفع أعداداً متزايدة من العائلات إلى النزوح بحثاً عن مصادر دخل بديلة.

وتواجه الحكومة اللبنانية تحدياً كبيراً في تمويل برامج التعافي وإعادة التحريج في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها البلد منذ سنوات.

وتدعو المنظمات البيئية إلى وضع خطط عاجلة لإعادة تأهيل المناطق المتضررة، وإنشاء صندوق خاص لتعويض المزارعين، وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر ومكافحة الحرائق، إضافة إلى الضغط الدولي لوقف الاستهداف المتعمد للموارد الطبيعية الذي يخالف القوانين الدولية ذات الصلة بحماية البيئة في النزاعات المسلحة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *