في ظل التطور المتسارع الذي يشهده العالم الرقمي، وتحوّل اعتماد الدول والأفراد إلى حدٍّ شبه كامل على الشبكات العنكبوتية وتطبيقات التكنولوجيا الحديثة، أصبحت التهديدات الرقمية خطراً داهماً لا يقل ضراوة عن المخاطر التقليدية التي تهدد أمن واستقرار الأوطان.
ولم يعد هذا الخطر مقتصراً على المؤسسات الكبرى أو الشركات، بل بات يمسّ حياة كل مواطن بشكل مباشر، بدءاً من خصوصية بياناته الشخصية، ومروراً بأمنه المالي، وانتهاءً بأمنه الفكري والثقافي.
وقد دفع هذا الواقع المتغيّر المؤسسات الدينية الكبرى في مصر إلى التحرك السريع ورفع راية الوعي بخطورة هذا الملف الحيوي، الذي يتقاطع فيه البُعد التقني مع البُعد الأخلاقي والديني والوطني.
حماية الدين والعقول.
منظور إسلامي متطور للأمن الرقميوفي هذا الإطار، أكد الدكتور محمود الهواري، الأمين المساعد للدعوة والإعلام الديني بمجمع البحوث الإسلامية، أن مفهوم حماية المجتمعات في العصر الحديث قد شهد تحولاً جذرياً وعميقاً، إذ لم يبقَ الأمر مقتصراً على تأمين الحدود الجغرافية للدول أو حماية الممتلكات المادية الظاهرة، بل امتد ليشمل تأمين الفضاء الرقمي الذي أصبح يحتل مساحة واسعة من حياتنا اليومية ومن تفكير أبنائنا ومستقبلهم.وأوضح الهواري أن هذا التحول يعكس فهماً إسلامياً متطوراً لمقاصد الشريعة، إذ تنص القواعد الكلية على حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض، وهي مقاصد تتجسّد اليوم في صور جديدة لم تكن معروفة عند الأجيال السابقة، فحفظ العقل لم يعد يعني فقط الوقاية من المسكرات والمخدرات، بل يشمل أيضاً تحصينه من المحتوى المضلل والأفكار الهدّامة التي تنتشر عبر الشاشات والمنصات الرقمية.
كما أن حفظ المال لم يعد مقتصراً على حراسة الخزائن، بل يمتد إلى تأمين الحسابات والبيانات والمعاملات الإلكترونية من محاولات الاختراق والاحتيال.
الأمن السيبراني طوق نجاة للحفاظ على المال ومقدرات الأوطان
وأضاف المسؤول البارز بمجمع البحوث الإسلامية أن الالتزام بمعايير الأمن السيبراني وتطوير منظومات الحماية الرقمية لم يعد مجرد رفاهية تقنية تقتصر على الشركات الكبرى أو المؤسسات المالية، بل أصبح ضرورة شرعية ووطنية ملحّة.وتهدف هذه المنظومات في المقام الأول إلى:
- حماية الدين من الأفكار المُدمِّرة والشائعات المغرضة التي تبثها الجماعات المتطرفة عبر الإنترنت، وتوظيفها للفضاء الرقمي في الترويج لأيديولوجياتها المنحرفة.
- تحصين عقول الشباب ضد الاستقطاب الفكري والغزو الثقافي، عبر بناء مناعة فكرية ورقمية تجعلهم قادرين على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمحتوى المضلل.
- صيانة الأموال والاستثمارات من جرائم الاحتيال الإلكتروني والقرصنة المالية التي تستهدف مدخرات المواطنين وأموال الدولة.
- الدفاع عن مقدسات الدول وبنيتها التحتية الحساسة من الهجمات السيبرانية الخبيثة التي تستهدف زعزعة الاستقرار والأمن العام وتعطيل الخدمات الحيوية.
ويستدعي هذا المشهد وعياً جماعياً يشمل الأفراد والمؤسسات على حدٍّ سواء، إذ يبقى العنصر البشري هو الحلقة الأضعف في منظومة الحماية.
الوعي الرقمي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمؤسسة الدينية
وفي هذا السياق، يتعاظم دور المؤسسات الدينية في نشر الثقافة الرقمية الآمنة، من خلال الخطب والدروس الدعوية والبرامج الإعلامية التي تُحذّر من مخاطر الانزلاق خلف المحتوى المشبوه، وتُرشد الأسر إلى كيفية متابعة أبنائها في استخدامهم للإنترنت.كما أن الدعوة إلى التحقق من الأخبار قبل تداولها، والتصدي لظاهرة الشائعات، أصبحت جزءاً أصيلاً من المسؤولية الشرعية، استناداً إلى مبدأ التثبت الذي حثّت عليه النصوص الشرعية، والمتمثل في قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا”.ويبقى الأمن السيبراني، في جوهره، درعاً واقياً يجمع بين الحماية التقنية والحصانة الأخلاقية، ليشكّل معاً منظومة متكاملة تحفظ للمجتمع دينه وعقوله وأمواله، وتصون مقدرات الأوطان في عصرٍ أصبحت فيه المعلومة سلاحاً لا يقل خطورة عن أي سلاح آخر.

التعليقات