لماذا نحتاج إلى حب الحياة قبل أي ربيع جديد؟
في مجتمعنا العربي لا نحتاج إلى ربيع جديد، ولا إلى ثورة ملونة جديدة، ولا حتى إلى حزب جديد.
ما نحتاجه حقًا هو أن نحب الحياة من جديد.
معركتنا ليست ضد الاستبداد فقط، بل هي ضد ثقافة تمجّد الموت، وضد مدارس لا تُربّي طلابًا ولا تُكوّن جيلًا مقتدرًا مؤهلًا للعمل.
ومعركتنا أيضًا ضد سينما تروّج للفساد، وضد مسرح يزرع الوقاحة قبل أن يزرع الثقة في النفس.
ما معنى أن تكون تقدميًا؟
سألني أحد الزملاء عن مفهوم «التقدمي»، بعد أن استعملتُ في أحد نصوصي عبارة «الجبهة التقدمية» و«التيار التقدمي»، فقال لي: ماذا تقصدين بالتقدمي؟
التقدمي، بكل بساطة، هو المحب للحياة.
نحن نحتاج في عالمنا العربي إلى تيار اجتماعي وثقافي ثم سياسي، يحب الحياة، ويمجّد الحياة، ويدفع نحو الحياة، ويقاوم كل أشكال الاكتئاب والموت.
تيار لا يكتفي بشعارات التغيير السياسي، بل يبني الإنسان أولًا: إنسانًا واثقًا، مبدعًا، قادرًا على العمل والإنتاج، ومتصالحًا مع ذاته ومع الآخر.
احتفاء بالموت أم انتصار للحياة؟
ثمة احتفاء بالموت في ثقافتنا العربية الإسلامية.
خطابنا الديني موجه نحو الموت ونحو الوعيد أكثر مما هو موجه نحو الحياة، كأن الحياة حالة عابرة.
وهي بالفعل عابرة، لكنها حين نحياها، وفي عبورها، تصبح كالأزلية.
علينا أن ننتصر للحياة، وأن نمجّد الجمال، وأن ندفع نحو كل ما هو جميل في الوجود.
فالجمال ليس ترفًا، بل هو مقاومة للقبح واليأس والانكسار.
وحين نُعلّم أبناءنا حب الحياة، فإننا نُعلّمهم في الوقت نفسه احترام الآخر، والانفتاح على المختلف، والعمل من أجل مستقبل أفضل.
الثورة الثقافية الحقيقية
في ثقافتنا نحتاج إلى كل هذا.
هذه هي الثورة الثقافية الحقيقية، وهذا هو الدافع نحو التعدد والاختلاف، نحو كل تلك الألوان الزاهية التي تصنع بالفعل الربيع الحقيقي.
الربيع العربي كما نريده ربيع فيه حلم الثروة للجميع، وربيع فيه الحرية للجميع، وربيع لا يخشى فيه المختلف استبداد الأغلبية وقمعها.
ربيع يعترف بأن الاختلاف ثروة لا تهديد، وأن التعدد شرط بقاء لا خطر يجب استئصاله.
مشروع حضاري قبل أن يكون سياسيًا
هذا ما أريده، وهذا ما أحلم به.
المسألة ليست مجرد قضية سياسية، بل هي مشروع ثقافي واجتماعي وحضاري قبل أن تكون مشروعًا سياسيًا.
هذا ما أدفع نحوه، وهذا ما أعمل من أجله كسياسية، حتى لا تختزل المسألة في مشهدية سياسية بائسة، هي احتراب بين أناوات متضخمة.
وإذا كان بعض الفنانين قد باعوا ضميرهم ليشتروا منصبًا، وسقط الفنان وبقي المهرّج، فإن الدرس واضح: لا نهضة، ولا فن، ولا سياسة، بلا ضمير.
والضمير لا يُبنى إلا في ثقافة تحب الحياة، وتُقدّر الإنسان، وتزرع الجمال قبل أن تجمع المكاسب.

التعليقات