التخطي إلى المحتوى

بقلم: د.

ليلى الهمامي.

في فيديو أخيره، لم يقدّم المنصف المرزوقي نقداً للرأي العام بقدر ما قدّم تبريراً أخلاقياً لفشله، وقلباً كاملاً للمعادلة السياسية: فإذا كان الأصل أن يسائل المحكوم الحاكم، وإذا كانت الوظيفة الأولى للدولة هي إنتاج الحلول بينما يبقى للشعب حق التفويض والمحاسبة، فإن ما نسمعه اليوم هو عكس ذلك تماماً؛ رئيس سابق يسائل الشعب ويطالبه بالبحث عن الحلول بنفسه.

منطق مقلوب ووظيفة دولة غائبة

هذا منطق مقلوب في جوهره.

فحين تُطلب من الناس أن يحلّوا محل السلطة، فإن السلطة بذلك تعلن صراحة أنها سلطة فارغة، عاجزة عن القيام بأبسط مهامها.

الدولة ليست جهة تعبئة للطاقات الشعبية من أجل تعويض تقصيرها، بل هي المؤسسة المنوط بها التخطيط والتنفيذ والمساءلة، والحكم على أدائها يكون عبر صناديق الاقتراع لا عبر الخطب.

ويمكن إضافة قراءة أعمق هنا: هذا الخطاب يعكس أزمة بنيوية في تصور بعض النخب السياسية للعلاقة بين الدولة والمجتمع.

فبدل أن تُقدّم السلطة رؤية واضحة للخروج من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، تُحوّل المسؤولية إلى المواطن، وتُحمّله عبئاً لا يملك أدواته، في عملية تبرئة للذات وتضخيم لدور الأفراد في مواجهة إخفاقات مؤسسية حقيقية.

الشرعية الشعبية: رصيد انتهى منذ 2014

ثم هناك مسألة الشرعية الشعبية، وهي المركز الحقيقي لأي حديث عن العودة.

فالمرزوقي يعرف جيداً أن رصيده الشعبي قد انتهى في 2014، وأنه لم يعد فاعلاً في المزاج العام، ولا حاضراً في انتظارات التونسيين اليومية.

عودته ليست استجابة لطلب شعبي، بل هي رغبة ذاتية تُقدَّم في قالب مشروع وطني.

وفي هذا السياق، من المفيد التذكير بأن الشرعية الديمقراطية ليست صفة دائمة تُلبَس مرة واحدة، بل هي رصيد متجدد يُبنى بالعمل الميداني والقرب من هموم الناس.

ومن فقد هذا الرصيد، لا يستعيده بالخطابات، بل بالانخراط الفعلي في معالجة القضايا الحقيقية، وهو ما يبدو غائباً عن خطاب المرزوقي الذي ظل يدور في فلك ذاته.

نرجسية سياسية بدل مشروع وطني

ما يحرّك المرزوقي ليس مشروعاً سياسياً واضح المعالم، بل نرجسية سياسية تدفعه ليرى في نفسه مركز الخلاص.

والحال أن تجربته في الحكم كانت الدليل على عكس ذلك تماماً: خطابات كثيرة، وإنجاز قليل، وحصيلة سلبية يتركها للتاريخ وللذاكرة الجماعية للتونسيين.

ولعل أخطر ما في هذه النرجسية أنها تُنتج خطاباً منفصلاً عن الواقع، لا يعترف بمرور الزمن ولا بتغيّر الأولويات.

فالتونسيون اليوم يواجهون تحديات معيشية واقتصادية ملحّة تتطلب حلولاً عملية، لا استدعاءً لصفحات ماضية أُغلقت، ولا استدعاءً لرموز لم يعد لها حضور فعلي في المعادلة.

انفصال عن الواقع لا عناد سياسي

إن إصرار المرزوقي وأمثاله على نفس الخطاب بعد كل هذه السنوات ليس مجرد عناد سياسي، بل هو انفصال واضح عن الواقع.

فالمجتمعات تتقدم حين تُعيد إنتاج نخبها وأسئلتها، لا حين تُعيد إنتاج الأخطاء نفسها بأصوات مختلفة.

والخلاصة أن السؤال الحقيقي ليس من يحكم أو من يعود، بل أي دولة نريد، وأي مفهوم للسلطة والمسؤولية نبني.

وحتى يكون الخطاب السياسي ذا معنى، يجب أن ينطلق من الاعتراف بأن الحل مسؤولية الدولة أولاً، وأن الشعب ليس بديلاً عن مؤسساته، بل هو صاحب الحق في محاسبتها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *