يشهد قطاع البحث العلمي في مصر نقلة نوعية غير مسبوقة، بعد إعلان المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد عن إنجاز بحثي لافت تحقق بالتعاون مع نخبة من كبرى الجامعات الصينية.
وقد أثمرت هذه الشراكة العلمية المشتركة عن إطلاق ثلاثة أبحاث متقدمة تستهدف استغلال الثروات البحرية المهملة وإعادة تدويرها بطرق مبتكرة، بما يعود بالنفع الكبير على الاقتصاد القومي ويدعم مسيرة التنمية المستدامة.
كنز خفي تحت الماء: عندما تتحول المخلفات إلى ثروة
ركّزت الدراسات العلمية الحديثة على تعظيم الاستفادة من مخلفات كائن «خيار البحر»، الذي يُعد من الكائنات البحرية ذات القيمة البيئية والاقتصادية العالية.
فمن خلال تقنيات المعالجة الحيوية والكيميائية المتقدمة التي طُبّقت في المختبرات المشتركة بين الجانبين المصري والصيني، نجح الباحثون في تحويل هذه المخلفات، التي كانت تُلقى عادةً في قاع البحر أو تُهمل دون استغلال، إلى منتجات ذات قيمة تسويقية مرتفعة تدخل في صناعات حيوية متعددة.
وتكمن أهمية خيار البحر في كونه غنيًا بالمركبات النشطة حيويًا، مثل الكولاجين البحري والسابونينات والسلافاتيدات، وهي عناصر تُستخدم في صناعات المستحضرات الصيدلانية ومستحضرات التجميل والمكمّلات الغذائية والأعلاف الحيوانية.
وتتيح التقنيات الجديدة استخلاص هذه المركبات بكفاءة عالية مع تقليل الفاقد، بما يعزز الإنتاجية ويقلل الأثر البيئي لمخلفات التصنيع.
نموذج للاقتصاد الدائري في القطاع البحري
يُجسّد هذا الاتجاه تطبيقًا عمليًا لمبادئ الاقتصاد الدائري، حيث تُحوَّل النفايات إلى موارد بدلاً من التخلص منها، ما يسهم في تقليل الهدر وحماية النظم الإيكولوجية البحرية.
كما يعزز المشروع ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأزرق»، الذي يهدف إلى النمو الاقتصادي المتوازن مع الحفاظ على صحة المحيطات والبحار، ويتماشى مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، لا سيما الهدف الرابع عشر المعنيّ بالحياة تحت الماء.
تعاون مثمر وعوائد اقتصادية مرتقبة
يأتي هذا الإنجاز في إطار خطة الدولة المصرية الرامية إلى تعزيز الشراكات الدولية في مجال البحث العلمي التطبيقي، وخاصة مع الجانب الصيني الذي يملك خبرات واسعة في مجالات التكنولوجيا الحيوية البحرية.
وتشير التوقعات الأولية إلى أن تطبيق مخرجات هذه الأبحاث على نطاق تجاري واسع سيفتح آفاقًا جديدة للاستثمار المستدام في الثروة السمكية والبحرية، ويخلق فرص عمل جديدة، لا سيما في قطاعات التصنيع الحيوي والتعبئة والتسويق.
كما يدعم هذا المشروع الاقتصاد الوطني بمصادر دخل غير تقليدية مستمدة من حماية البيئة البحرية وحسن استغلال مواردها، ويساهم في نقل وتوطين التكنولوجيا المتقدمة إلى مصر وتأهيل الكوادر الوطنية في المجالات البحثية الحيوية.
آفاق مستقبلية واعدة
ويُنتظر أن تشهد المرحلة المقبلة توسيع نطاق التعاون البحثي ليشمل كائنات بحرية أخرى ذات قيمة اقتصادية، إلى جانب إestablishing مراكز تصنيع مشتركة وحاضنات للشركات الناشئة المتخصصة في المنتجات البحرية.
ويعتزم الفريق البحثي استكمال الدراسات المتعلقة بالجدوى الاقتصادية وتسجيل براءات الاختراع، بما يمهد لتحويل هذه المخرجات البحثية إلى منتجات تجارية قابلة للتسويق محليًا ودوليًا.
ويبقى الرهان الأكبر على قدرة هذه التجربة على إرساء نموذج متكامل للبحث العلمي التطبيقي القادر على تحويل التحديات البيئية إلى فرص اقتصادية، بما يعكس إمكانات مصر كقوة بحثية إقليمية في علوم البحار، ويؤكد أن الاستثمار في العلم والبيئة معًا هو الطريق الأمثل نحو مستقبل أكثر استدامة وازدهارًا.

التعليقات