التخطي إلى المحتوى

هل يعلّمنا كريشان الديمقراطية من الدوحة؟

لا يرى السيد محمد كريشان، الموظف بقناة الجزيرة، في التحولات التي تعيشها تونس اليوم أي قطيعة مع ما ساد خلال عشريّة الإسلام السياسي، بل يعتبر تلك المرحلة نموذجاً ديمقراطياً ومرجعاً لا ينبغي الحياد عنه، كما يصرّ على ذلك في ظهوره الإعلامي المتكرر كل مساء.

نحن هنا لا نريد إعادة فتح سجل تلك العشرية، فقد كتبنا فيه ونقدنا وبيّنّا وصرّحنا بما يكفي، ولا نرغب في إعادة تدوير الجدل حول حصيلتها.

لكن سؤالاً واحداً يفرض نفسه على السيد كريشان، سؤالاً بسيطاً ومباشراً: يا أستاذ محمد، هل توجد في قطر التي تحتضنك فصل بين العام والخاص؟ هل توجد معارضة حقيقية؟ هل يوجد برلمان منتخب؟ هل يوجد نقاش حر وجدل مفتوح؟ هل توجد انتخابات حرّة وتعدّد وترشّحات وتنافس فعلي؟ نريد أن نفهم.

في قطر، أسرة واحدة تملك الدولة، وتملك الشعب، وتملك القناة التي يعمل بها، ونقطة وانتهى.

هذا المشهد لا يزعج السيد كريشان إطلاقاً، بل يدافع عنه ويبرّره كل مساء، بينما يُنظّر لتونس بشأن الديمقراطية من استوديو مكيّف في الدوحة، من قناة أكبر من دولتها ومن خلفها.

إعلام عمومي متعثر مقابل إعلام تابع

نحن لا نزعم أن إعلامنا العمومي اليوم في أفضل حالاته، ولا أن واقعنا يبعث على الرضا الكامل، فهناك أخطاء وثغرات وتراجع في الأداء المهني يجب الاعتراف بها ومراجعتها.

لكننا على الأقل في مسارنا الخاص، بعيوبنا وأخطائنا، نصارع ونجادل ونختلف وننتخب ونحاسب، وهو ما يختلف جذرياً عن حالة الإعلام التابع الذي يذيع كل ما تمليه عليه السلطة، وعن نموذج الدولة التي تحتضن القناة وتدفع فاتورتها.

ومهما كان هذا المسار متعثراً، فنحن، بكل صراحة ودون نرجسية ودون أي مركب نقص، أفضل وأعلى وأرقى من نموذج البيعة والولاء المطلق الذي يُقدَّم لنا على أنه القدوة.

نحن أفضل بسنوات ضوئية من قطر، وليس هذا فخراً فارغاً بل توصيفاً لواقع الاختلاف البنيوي بين تجربتين سياسيتين لا تتشابهان في شيء.

تونس ليست ولاية في إمارة

ولعلم الجميع، وغصباً عن الجميع، فإن تونس ليست ولاية في إمارة، ولن تكون كذلك في أي يوم من الأيام، فهي دولة ذات تاريخ عريق ومؤسسات ومسار سياسي مستقل بشعبه وخياراته.

ومن حقّ أي تونسي أن يرفض أن يُقدَّم له النموذج الخليجي على أنه مثال يجب الاقتداء به، خصوصاً حين يأتي هذا التقدير من إعلام تابع يبيع الوهم ويقدّم نفسه وصياً على الديمقراطية.

المشكلة ليست في النقد، فنحن نرحّب بالنقد الصريح والموضوعي، لكنها في الإزدواجية: أن تُنظّر للآخرين من منصة استثنائية وتطلب منهم ما لا يتوفر لديها، وأن تغضّ الطرف عن كل عيوب البيت الذي تخدم فيه.

هذا هو جوهر الأزمة، وهو ما يستحق أن يُقال بوضوح وصراحة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *