التخطي إلى المحتوى

الإفراج عن الهاروني: حدث عابر أم مؤشر على انفراج سياسي؟

أُطلق سراح عبد الكريم الهاروني، رئيس مجلس شورى حركة النهضة، بعد أن أتمّ عقوبته السجنية، وهو حدث أثار جدلاً واسعاً في المشهد السياسي التونسي.

فبينما رأى البعض فيه إشارة إلى بداية انفراج سياسي محتمل، شدّد آخرون على أن الخلاف القائم بين السلطة وحركة النهضة لا يتعلق بقواعد الحركة، بل يستهدف قيادتها تحديداً، وهو ما يعكس عمق الأزمة السياسية الراهنة وتركيزها على المستوى القيادي.ولا يمكن قراءة هذا الإفراج بمعزل عن السياق الأوسع الذي شهدته تونس خلال السنوات الأخيرة، حيث بات ملف التعويضات أحد أكثر الملفات إثارة للجدل والحساسية في الخطاب السياسي والاجتماعي.

الهاروني ودوره غير المقصود في دعم مسار 25 جويلية

يرى كثير من المراقبين أن الهاروني كان من أبرز الشخصيات التي دفعت، دون أن يقصد، أوسع قطاعات الجماهير إلى تأييد مسار الخامس والعشرين من جويلية.

فالجميع يتذكر ظهوره في ساحة الحكومة بالقصبة خلال فترة انتشار فيروس كورونا، وهو يخاطب قواعد حركة النهضة المطالبة بالتعويضات، مؤكداً بلهجة حاسمة أن هذه التعويضات حق مستحق، وعلى الجميع، حكومةً وشعباً، أن يخضع لهذا «الحق» دون نقاش.وقد دفع هذا الموقف أكثر من محلل ومن حقوقي إلى المطالبة بالكشف عن حسابات التعويضات التي تحصّلت عليها حركة النهضة وغيرها من الأطراف، خصوصاً في ظل وجود قائمة منشورة تضم أهم أسماء الساحة السياسية، على الأقل في إطار جبهة 14 جانفي، مع مبالغ مالية تؤكد الوثيقة أن أصحابها تحصلوا عليها أو رُصدت لهم في إطار مسار العدالة الانتقالية الذي يثير جدلاً واسعاً ويخضع للطعن قضائياً.

التعويضات: ملف حارق بلا قائمة نهائية

يشكّل ملف التعويضات مشكلة حقيقية تتجاوز حدود التقديرات السياسية، إذ اعتبر وزير مالية سابق أن التعويضات مُنحت أيضاً عبر انتدابات عشوائية أغرقت ميزانية الدولة في استحقاقات مالية لم تكن مخططة ولم تكن مبرمجة، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد المالي والاقتصادي في البلاد.وللتذكير، فإن التعويضات لم تكن حصراً على مرحلة ما بعد 2011، بل كانت موجودة أيضاً في عهد بن علي، حيث وُجّهت مجموعة من التعويضات إلى عدد من الإسلاميين، وهو ما أُعلن في إطار لجنة تحقيق ترأسها الراحل منصور الرويسي.

لكن بعد 14 جانفي، لم يعد أحد يذكر هذه اللجنة ولا التعويضات التي قدّمها بن علي لمجموعة من منتسبي حركة النهضة، ما يشير إلى انتقائية في التعاطي مع الملف.ويبقى السؤال المحوري: من انتفع بالتعويضات؟ وبأي حق انتفع بها؟ إذ إن هذا الملف الحارق لا الدولة ولا الأحزاب السياسية ولا المنظمات تمكنت حتى الآن من ضبط قائمته النهائية، رغم مرور سنوات على فتح النقاش حوله.

العدالة الانتقالية بين الانحياز والطعن القضائي

تُثار شكوك جدية حول تقديرات العدالة الانتقالية ورئيستها، باعتبارها تقديرات منحازة بطبيعتها، خصوصاً أن 14 جانفي يُعدّ جزءاً من «الربيع الملون» وجزءاً لا يتجزأ من سيناريو الربيع التونسي، الذي كان بدوره «ربيعاً بين ظفرين».

وتفتح هذه القراءة الباب أمام مراجعة شاملة لمنطق التعويضات وآلياتها، بما يضمن العدالة والشفافية ويحفظ المال العام.

النهضة: جماعة قبل أن تكون حزباً؟

يتوقع كثيرون أن يعود هؤلاء في المستقبل للمطالبة بتعويضات جديدة، إذ أكدت أمينة الزغلامي، من الرموز النسائية لحركة النهضة، أن التعويضات ستنالها الحركة، شاء من شاء وكره من كره.

ويبدو أن الجميع يقف مبهوتاً أمام تمشٍّ جعل من النهضة بالفعل مجرد «جماعة»، وجعل مشاركاتها في الحياة العامة موجّهة فقط لخدمة مصالح هذه الجماعة.فالحركة، بحسب هذا الطرح، لم ترتقِ يوماً إلى مستوى المسؤولية الوطنية؛ تمكنت من السلطة ثم استمرت في الحكم خلال عشر سنوات، دون أن تنجز ما التزمت به كسلطة مسؤولة عن دولة وشعب، واكتفت بممارسة الحكم كجماعة، وبأن تنشغل فقط بشؤونها كجماعة.

وهو أمر يبقى مفتوحاً لحساب قادم، في وقت ينتظر فيه التونسيون إجابات واضحة حول مصير أموالهم وحسابات التعويضات.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *