التخطي إلى المحتوى

بقلم: د.

ليلى الهمامي.

لم يكن ما بدر مؤخرا من مرشح الحزب الجمهوري مجرد زلة لسان عابرة في خضم التنافس المحتدم على مقاعد الكونغرس.

بل كان الكشف عن وجه حقيقي طالما توارى خلف دهاليز الحملات الانتخابية وأقنعة التسامح المصطنع.

إننا أمام لحظة انكشاف، لا أمام خطأ في التقدير.

الرجل الذي يتزعم الدفة الجمهورية سعيا إلى استعادة الأغلبية التشريعية في الانتخابات النصفية، اختار أن يوجه سهامه نحو ليبيا الشقيقة، وأن يطال بكلامه شعبا بأكمله، سعيا إلى استجداء تصفيق لحظي من جمهور متحفز.

لكنه في غمار هذه الاندفاعة نسي أن مبعوثه الخاص، مسعد بولس، كان حينها يواصل جهوده في العاصمة الليبية طرابلس، محاولا لملمة صفوف الشتات الليبي، وتقريب وجهات النظر بين الأطراف، ورسم مخرج من نفق الانقسام الذي طال أمده.

مناورة التراجع وسؤال العقيدة

سارع الرجل إلى التراجع عن كلامه، لكن المناورة اللفظية لا تحجب العورة الفكرية.

فما جرى النطق به لم يكن مجرد موقف شخصي طارئ، بل كان ترجمة لعقيدة راسخة متجذرة في عمق البنية السياسية الغربية.

إنها عقيدة التفوق العنصري والاستعلاء الحضاري، التي تسكن وعي اليمين الغربي بكلا جناحيه، الأوروبي والأمريكي، وتتحصن اليوم خلف خطاب مسيحي متشدد جديد، يرى العالم بأسره غنيمة تبشر بالهيمنة والسيطرة.

ومن يستقصي معجم هذا الخطاب السياسي سيجد أن منطق الحروب الصليبية لا يزال حاضرا، يحرك القرارات في واشنطن من خلف الستائر المغلقة.

وليس هذا الوصف مبالغة تحليلية، بل هو ما يؤكده تقرّب هؤلاء المرشحين من قواعد انتخابية متشددة تستنفرها لغة الاستعلاء.

فكلما اقتربت الانتخابات، عاد الخطاب القديم بثوب جديد، ووجد في خطاب الغيرية والتمييز سوقا رائجة.

الجُرح العربي الغائر

هنا يبرز الجرح العربي الأعمق: كيف وقفنا نتفرج على الإهانة التي تطالنا، بينما نعوّل على شعارات لا تصنع سياسة؟ أي عجز هذا الذي يجعلنا شهود زور على الإساءة إلى كرامتنا دون أن نحرك ساكنا؟

كيف تحوّلت ملاييننا المهاجرة في عواصم القرار، من باريس إلى لندن إلى برلين، ومن واشنطن إلى أوتاوا، إلى مجرد أرقام صامتة في دفاتر الإحصاء، بعيدا عن أي وزن سياسي فعلي؟

لقد أخفقنا اخفاقا مزدوجا: أخفقنا في تحويل الهجرة إلى قوة ضاربة، وأخفقنا في تحويل الشتات من كتلة سكانية إلى كتلة نفوذ.

وبدلا من أن نصبح لاعبا في صناعة القرار، بقينا موضوعا للقرار يُتخذ بشأننا وليس بمشاركتنا.

من الشتات إلى النفوذ: الورقة المهملة

نضالنا من أجل الصوت لا يزال حبيس نطاق بلدية صغيرة في أوروبا، بينما الحقيقة الساطعة تقول إن كل عربي نال جنسية الغرب هو وزن انتخابي قادر على قلب موازين الدوائر، وتعديل مسار السياسات، وفرض احترام قضايانا في واشنطن وبروكسل وأوتاوا.

فالجالية المندمجة ليست تهديدا للهوية الوطنية الجديدة، بل جسر للتواصل ومنصة للتأثير.

كان ينبغي أن تكون جالياتنا جسرا فولاذيا ممتدا فوق المحيطات، نعبر به إلى قلب المطبخ السياسي الغربي.

وكان ينبغي أن تكون قلعة راسخة للدفاع عن الكرامة والمصلحة.

لكن الجسر تصدع قبل أن يكتمل، لأن الصفوف متشظية، ولأن جدرانه تنزف من خصوماتنا البينية التي تستنزف طاقتنا وتشتت صوتنا.

وهنا تجدر الإشارة إلى تجارب مقارنة دالة: فجالية هندية وأخرى يهودية وثالثة كوبية استطاعت أن تحوّل حضورها الديموغرافي إلى لوبيات منظمة، لها مكاتب ومراكز أبحاث وبرامج تمويل انتخابي، فرضت على المرشحين من كلا الحزبين احترام أجنداتها.

لم تنتظر هذه الجاليات أن يهب لها أحد، بل بنت مؤسساتها خطوة بخطوة، وحوّلتها إلى ذراع سياسي ضاغط.

القوة لا تُهدى

القوة في هذا العالم لا تُمنح، بل تُنتزع.

ومن لا يملك أوراق ضغطه، سيظل مفعولا به لا فاعلا، متلقيا للقرار لا صانعا له.

توحيد جهد المهاجر، في حقوقه المدنية، وفي موقعه المهني، وفي صوته الانتخابي، ليس ترفا إنسانيا، بل هو أخطر أسلحة السياسة وأكثرها فاعلية.

إنها الورقة التي تركناها مهملة على الطاولة، فالتقطها خصومنا ليصفعونا بها عند أول منعطف انتخابي.

هذا الكلام لا يستوعبه إلا من امتلك حس رجل الدولة، ولا يترجمه إلى واقع إلا من تسكنه روح وطنية حقيقية.

فالكرامة لا تُحمى بالشعارات، بل بالمؤسسات، والحضور لا يُفرض بالتمنّي، بل بالتنظيم.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *