تشهد أروقة الأمم المتحدة وممراتها الدبلوماسية حراكاً محتدماً وغير مسبوق، إذ تتزايد المطالبات بإعادة هيكلة مجلس الأمن الدولي وتوسيع عضويته الدائمة، في خطوة يُنظر إليها على أنها إعادة تعريف لموازين القوى التي تحكم القرار العالمي منذ عقود.
وقد أشعل هذا الملف موجة معارضة شديدة من الجانب الباكستاني، الذي حذّر من أن أي توسع غير متوازن قد يضرب استقرار المنظومة الدولية بأكملها في مقتل.
مخاوف إسلام آباد من ترسيخ هيمنة الكبار
أكدت الدوائر الدبلوماسية في إسلام آباد أن منح مقاعد دائمة جديدة لبعض الدول، إلى جانب توسيع نطاق صلاحيات حق النقض «الفيتو»، لن يؤدي إلا إلى تكريس التفاوت الصارخ والاختلالات الهيكلية المتجذرة في بنية الأمم المتحدة.وترى الحكومة الباكستانية أن منح امتيازات استثنائية لعدد محدود من العواصم يمثل التفافاً واضحاً على مبادئ العدالة والمساواة الدولية، ويمنح صفوة تاريخية سلطة مطلقة تعلو على إرادة المجتمع الدولي.ويستند الموقف الباكستاني إلى قناعة راسخة بأن مجلس الأمن الحالي، بتشكيلته الحالية، يعكس واقعاً دولياً تجاوزته التحولات الجيوسياسية والاقتصادية خلال العقود الثلاثة الماضية.
فباكستان، بصفتها دولة نامية وقوة نووية في جنوب آسيا، تخشى من أن يؤدي توسيع العضوية الدائمة إلى تعزيز النفوذ الإقليمي لدول منافسة، وهو ما قد ينعكس سلباً على التوازنات الإقليمية الحساسة في جنوب آسيا، وخصوصاً في ظل الخلافات الممتدة حول قضايا السيادة والحدود.كما تشير إسلام آباد إلى أن منح «الفيتو» لمزيد من الدول سيعمّق حالة الشلل التي يعانيها المجلس أصلاً، حيث يمثل حق النقض أداة تعطيل يتذرع بها عدد محدود من الدول لمنع اتخاذ قرارات حاسمة في أزمات كبرى، من بينها النزاعات في الشرق الأوسط وأوكرانيا والسودان.
وترى الدوائر الباكستانية أن توسيع هذا الحق لن يجلب سوى مزيد من التعقيد والانقسام داخل أروقة المنظمة.
مستقبل المنظومة الأممية على المحك
يفتح الموقف الباكستاني الحاسم الباب واسعاً أمام تساؤلات مصيرية حول قدرة المنظمة الدولية على تحقيق الإصلاح الحقيقي، أو ما إذا كانت الصراعات الجيوسياسية ستدفع بمجلس الأمن نحو مزيد من الشلل والعجز عن اتخاذ قرارات حاسمة تجاه الأزمات الملتهبة حول العالم.وتصر إسلام آباد على أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يقوم على أساس الديمقراطية التمثيلية والشفافية، لا عبر تفصيل المقاعد على قياس قوى عظمى بعينها على حساب مصالح الدول النامية والصغرى.وفي هذا السياق، تبرز مقترحات بديلة تدعمها باكستان، من بينها توسيع المقاعد غير الدائمة وتعزيز التمثيل الجغرافي العادل للقارات، وإخضاع قرارات «الفيتو» لآليات رقابية تحد من استخدامه التعسفي، إضافة إلى ربط أي إصلاح بمبدأ الإجماع الأوسع بين الدول الأعضاء وليس بإرادة مجموعة محدودة من القوى الكبرى.ويرى مراقبون أن ملف إصلاح مجلس الأمن بات اختباراً حقيقياً لمصداقية النظام الدولي متعدد الأطراف، فإما أن تتوافق الأطراف على صيغة توازن بين الفاعلية والتمثيل، أو أن يبقى المجلس رهينة انقسامات تعيد إنتاج أزماته القديمة، وتدفع الدول النامية للبحث عن منصات بديلة لتحقيق مصالحها.
خلفية تاريخية وتوازنات القوى
جدير بالذكر أن مجلس الأمن تأسس عام 1945 بخمسة أعضاء دائمين يملكون حق النقض، هم الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين، إلى جانب عشرة أعضاء غير دائمين يُنتخبون لفترات محدودة.وقد ظلت المطالبات بإصلاحه تتكرر منذ تسعينيات القرن الماضي، مع بروز مجموعات مثل مجموعة «الأربع» التي تطالب بمقاعد دائمة، ومجموعة «الوفاق الأفريقي» التي تطالب بمقعدين دائمين لأفريقيا، في مقابل تحفظات من دول أخرى تفضل صيغاً جماعية بديلة.وفي ظل هذه التوازنات، يبدو الموقف الباكستاني جزءاً من تحالف أوسع يضم دولاً نامية ترى في الإصلاح الحالي محاولة لإعادة إنتاج الهيمنة بأدوات جديدة، مما يجعل معركة الكراسي الكبرى في الأمم المتحدة واحدة من أكثر الملفات حساسية وتأثيراً على مستقبل النظام العالمي في العقود المقبلة.

التعليقات