تحرك تشريعي غير مسبوق داخل مجلس النواب المصري
يشهد مجلس النواب المصري حراكاً تشريعياً لافتاً يستهدف إعادة صياغة المنظومة العقابية من جذورها، إذ تقدّمت النائبة فاطمة عادل، عضو المجلس عن حزب العدل، بمشروع قانون جديد لتعديل بعض أحكام قانون العقوبات الصادر بالقانون رقم 58 لسنة 1937، وهو التعديل الذي يُوصف بأنه من الأكثر جرأة وأهمية في السنوات الأخيرة.
جوهر التعديل: إنهاء عصر “الأعذار المخففة”
يرتكز مشروع القانون على فكرة أساسية واضحة: لا مبرر اجتماعياً أو عرفياً يمكن أن يُستخدم لتخفيف العقوبة عن مرتكب جريمة جسيمة.
ويسعى المشروع إلى سدّ كل الثغرات القانونية التي كانت تتيح لبعض الجناة الإفلات من العقوبات المشددة بحجة الدوافع أو المبررات الاجتماعية.
وفي مقدمة هذه الثغرات، تأتي جرائم القتل المرتكبة تحت ستار ما يُعرف بـ”دافع الشرف”، وهي الجرائم التي طالما أثارت جدلاً واسعاً في الرأي العام المصري، حيث كان يُنظر إليها في بعض الحالات بعين التسامح القانوني والمجتمعي.
ويقترح المشروع إلغاء هذا النوع من التخفيف نهائياً، بما يضمن معاملة القتل العمد معاملة واحدة لا تفرّق بين دوافعه.
تشديد العقوبات على جرائم الاغتصاب والاعتداءات الجسيمة
لا يقتصر التعديل على جرائم القتل، بل يمتد إلى إعادة النظر في العقوبات المقررة لجرائم الاغتصاب والاعتداءات الجنسية الخطيرة، بهدف رفع درجات الردع والحدّ من الظاهرة التي تشهد تصاعداً مقلقاً في بعض المجتمعات.
ويعكس هذا التوجه إدراكاً تشريعياً متزايداً بأن العقوبات الحالية قد لا تتناسب مع فداحة هذه الجرائم وأثرها النفسي والاجتماعي العميق على الضحايا.
السياق الأوسع: لماذا الآن؟
يأتي هذا المشروع في وقت تشهد فيه مصر نقاشاً مجتمعياً متصاعداً حول حقوق المرأة وحماية الضحايا، وسط مطالبات من منظمات المجتمع المدني وخبراء القانون بضرورة تحديث النصوص العقابية لتواكب التطورات الاجتماعية.
فقانون العقوبات المصري، الذي يعود إلى عام 1937، يحمل بين طياته نصوصاً تراكمت عبر عقود طويلة، بعضها أصبح غير متوائم مع مفاهيم العدالة المعاصرة.
ويجدر الإشارة إلى أن التجربة المصرية في تعديل قوانين العقوبات ليست جديدة، لكن الطابع الحاسم لهذا التعديل بشأن “الأعذار المخففة” يمثل نقلة نوعية، إذ يمسّ جوهر فلسفة التجريم والعقاب ذاتها.
الأهداف المرجوة: ردع عام وسيادة للقانون
تسعى هذه الخطوة التشريعية إلى تحقيق جملة من الغايات، أبرزها:
- تعزيز سيادة القانون ومنع استغلال الثغرات التشريعية للإفلات من العقاب.
- تحقيق الردع العام الذي يمنع تكرار الجرائم ويحمي المجتمع.
- الحدّ من الاستخدام الانتقائي للأعذار القانونية المخففة التي كثيراً ما كانت تحمي الجاني على حساب الضحية.
- إرساء مبدأ المساواة أمام العقوبة بغض النظر عن الدوافع الاجتماعية المعلنة.
الطريق إلى الإقرار: ترقب نيابي وشعبي
يواجه المشروع الآن مرحلة المناقشة داخل اللجان النيابية المختصة قبل عرضه على الجلسة العامة.
ويسود ترقّب واسع بين النواب والرأي العام لمعرفة ما إذا كان المشروع سيُقرَّ رسمياً خلال دور الانعقاد الحالي، خاصة في ظل حساسية الموضوع وتشابكه مع قضايا اجتماعية وثقافية عميقة.
فإذا أُقرّ هذا التعديل، فسيمثل نقطة تحوّل حقيقية في تاريخ التشريع الجنائي المصري، ويعيد تعريف العلاقة بين العرف والمجتمع والقانون، بما يرسّخ مبدأً بسيطاً لكنه جوهري: لا شرف في الجريمة، ولا رأفة مع القتل.

التعليقات