في أروقة العمل الدبلوماسي الذي يمتد عبر القارات، ثمة تفاصيل ومواقف لا تتوقف عند حدود البيانات الرسمية، بل تبحث عن صوت صادق يرويها من الداخل.
من هذه الزاوية، كشف الدبلوماسي المصري المخضرم السفير أحمد فاضل يعقوب، سفير مصر الأسبق لدى دولة باكستان، عن ملامح العلاقة التي تجمع القاهرة وإسلام آباد، وعن عمق التجارب التي عاشها خلال سنوات عمله في هذه العاصمة الآسيوية، في تصريحات وصفها بأنها حصرية وتفتح أبواباً على صفحات مشرقة من علاقات البلدين.
جذور لا تقتصر على المصالح السياسية
يوضح السفير أحمد يعقوب أن العلاقات بين مصر وباكستان أعمق من كونها حسابات سياسية وقتية، فهي ترتكز على قواسم ثقافية وحضارية مشتركة، وامتداد تاريخي يجعل التعامل بين الشعبين أكثر انسيابية.
فقد كانت مصر من أوائل الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع باكستان في أعقاب استقلالها عام 1947، وساهمت القاهرة في دعم مواقف إسلام آباد في المحافل الدولية، وفتحت أبواب جامعاتها للطلاب الباكستانيين، وقدمت للباكستانيين دعماً في مجالات التعليم والطباعة والإعلام، مما ترك أثراً تعليمياً وثقافياً ممتداً حتى اليوم.
ويشير الدبلوماسي المصري إلى أن التنسيق بين البلدين لا يقف عند القضايا الثنائية، بل يمتد إلى الملفات الكبرى التي تخص الأمتين العربية والإسلامية، من دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، إلى التعامل مع التحولات في آسيا الوسطى وجنوب آسيا، مما يجعل من هذه الشراكة ركيزة للاستقرار الإقليمي.
محطات مضيئة في مسيرة التعاون
يتوقف السفير في حديثه عند محطات بارزة من تاريخ التعاون الدبلوماسي والثقافي والاقتصادي، ومنها التبادل التعليمي، والتعاون في مجال القوى العاملة، والتنسيق في المنظمات الدولية، إضافة إلى توقيع اتفاقيات في مجالات التعليم العالي والتبادل التجاري والصناعي.
ويؤكد أن هذه المحطات صنعت وتيرة تعاون مستقرة لم تنقطع، رغم التحديات التي مرت بها المنطقة والعالم، وهو ما يعد دليلاً على نضج العلاقة وقدرتها على التكيف مع المتغيرات.
اقتصاد المستقبل وتعزيز الاستثمارات المتبادلة
لم يغفل الدبلوماسي الكبير الأبعاد الاقتصادية التي يمكن أن تعطي دفعة جديدة للشراكة، حيث يرى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين لا يزال دون الطموح مقارنة بالفرص المتاحة، خاصة مع موقع باكستان في آسيا الجنوبية، وقربها من أسواق الصين وآسيا الوسطى، وما تتيحه مصر من بوابة للقارة الأفريقية والأسواق العربية.
ويقترح تعزيز التعاون في مجالات الزراعة والنسيج والصناعات الغذائية، وإقامة مشروعات مشتركة في الطاقة المتجددة والسياحة، إضافة إلى تسهيل حركة رجال الأعمال عبر اتفاقيات حماية الاستثمار وتجنب الازدواج الضريبي.
دبلوماسية الشعبين وأثرها على السياسة
يشدد السفير على أن القوة الحقيقية لهذه العلاقة تأتي من الشعبين، لا من البيانات الرسمية وحدها.
فمصر تحتضن كرسي الإمام الأكبر شيخ الأزهر، ولها حضارة تمتد لآلاف السنين تحتضن مقاصدها السياحية والثقافية، وباكستان لها موروث حضاري في الشرق الإسلامي، ووجهان جغرافيان يتكاملان في طريق الحرير وطرق التجارة البحرية.
ويؤكد أن دعم التبادل السياحي، وإحياء البرامج الثقافية، وزيادة المنح الدراسية، وتعزيز التعاون في الرياضة والفنون، كلها مداخل ناعمة وذات جدوى لتعميق الروابط وتأمين مستقبلها.
تطلعات لمستقبل قريب وطريق مستدام
في ختام تحليله، يعبر السفير يعقوب عن قناعته بأن العلاقات بين القاهرة وإسلام آباد تملك من المقومات ما يجعلها قادرة على مواكبة طموحات الشعبين الشقيقين، داعياً إلى تفعيل اللجان المشتركة على مستوى أعلى، وتوسيع التشاور السياسي، والبناء على قواسم مشتركة من ن قديم، وفتح صفحات جديدة من التعاون في التعليم والاستثمار ومكافحة الإرهاب والأمن الغذائي، بما يخدم سلام واستقرار المنطقة، ويجعل هذه الشراكة نموذجاً في العلاقات بين دول الجنوب.
بهذه الشهادة، يقدم السفير أحمد يعقوب قراءة صادقة ومدروسة، تربط بين ماض عريق وحاضر متعاون ومستقبل واعد، في علاقة أعطتها الجغرافيا عمقاً، ومنحتها السياسة مسؤولية، ومنحها الشعبان إرادة استمرارية.

التعليقات