في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام بالاقتصاد الأخضر في مصر، اختتمت مؤسسة مصر الخير برنامج «Ecoscale» الموجّه لدعم الشركات الناشئة العاملة في مجالات الاقتصاد الأخضر والاقتصاد الدائري والإدارة المستدامة للمخلفات، عبر مسارات متكاملة من التدريب والتوجيه والتمويل تهدف إلى تطوير حلول مبتكرة للتحديات البيئية والاقتصادية.
جاء حفل الاختتام بحضور الأستاذ ياسر عبد الله، الرئيس التنفيذي لجهاز تنظيم إدارة المخلفات بوزارة التنمية المحلية والبيئة، نائباً عن الدكتورة منال عوض وزيرة التنمية المحلية والبيئة، والدكتورة نجوى السيد رئيس قطاع البحث العلمي بمؤسسة مصر الخير، وأندرياس روب رئيس المشروع بالوكالة الألمانية للتعاون الدولي، والدكتورة منى شهاب مدير البرنامج الوطني للمخلفات.
29 شركة ناشئة وامتداد الأثر إلى 10 محافظات
شهد البرنامج مشاركة 29 شركة ناشئة حصلت على الدعم عبر مسارين: تسريع الأعمال والتمويل، وامتد أثره إلى 10 محافظات مصرية، محققاً متوسط زيادة في الإنتاج تقارب ثلاثة أضعاف، إلى جانب توفير نحو 60 فرصة عمل دائمة و300 فرصة عمل مؤقتة وغير مباشرة.
الاقتصاد الأخضر ضرورة تنموية لا التزام بيئي فقط
أوضح الأستاذ ياسر عبد الله أن الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر والدائري أصبح ضرورة تنموية واقتصادية، وليس مجرد التزام بيئي، مشيراً إلى أن تحديات المخلفات وتغير المناخ والاستخدام غير المستدام للموارد لا يمكن مواجهتها بالسياسات أو الاستثمارات الحكومية وحدها، بل تحتاج إلى أفكار جديدة وتكنولوجيا مبتكرة ونماذج أعمال قادرة على تحويل هذه التحديات إلى فرص اقتصادية حقيقية.
وأكد أهمية الدور المحوري لرواد الأعمال والشركات الناشئة، لافتاً إلى أن كل مشروع قادر على إعادة استخدام مورد أو تدوير مخلف أو خفض الانبعاثات أو تطوير حل أكثر كفاءة لإدارة المخلفات لا يحمي البيئة فحسب، بل يخلق فرص عمل ويجذب استثمارات ويفتح أسواقاً جديدة، وهو ما يستهدفه برنامج «Ecoscale» الذي جاء لدعم الشركات الناشئة في مجالات ذات أولوية، في مقدمتها الاقتصاد الدائري والعمل المناخي والإدارة المستدامة للمخلفات.
وأشار إلى أن وزارة التنمية المحلية والبيئة تعمل على تطوير منظومة إدارة المخلفات برؤية متكاملة تجمع بين البنية التحتية والإطار المؤسسي والتنظيمي ومشاركة القطاع الخاص والابتكار والتكنولوجيا، موضحاً أنه من خلال البرنامج الوطني لإدارة المخلفات الصلبة (NSWMP) وبالتعاون مع شركاء التنمية نُفذت أنشطة عديدة لتطوير المنظومة ودعم المحافظات وتعزيز مشاركة القطاع الخاص.
وشدد على أن مستقبل المنظومة لا يعتمد فقط على إنشاء المصانع والمحطات والمدافن الصحية، بل يعتمد بالقدر ذاته على خلق سوق حقيقية للاقتصاد الدائري تجد فيها الشركات الصغيرة والمتوسطة والناشئة فرص النمو وتقديم حلول جديدة في التدوير واسترداد الموارد وتقليل الفاقد وتحويل المخلفات إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية.
ودعا المستثمرين والقطاع الخاص إلى النظر إلى هذه الشركات باعتبارها فرصاً حقيقية للاستثمار والشراكة، مؤكداً أن العالم يتجه بصورة متسارعة نحو حلول الاقتصاد الأخضر والدائري، وأن الأسواق التي تُبنى اليوم ستكون جزءاً مهماً من الاقتصاد المصري في المستقبل.
الاستثمار في الإنسان أساس التنمية المستدامة
من جانبها أعربت الدكتورة نجوى السيد عن سعادتها باختتام برنامج «Ecoscale»، مؤكدة أنه قدّم نموذجاً مهماً لدعم ريادة الأعمال الخضراء ومساعدة الشركات الناشئة على تطوير حلول مبتكرة للتحديات البيئية والاقتصادية.
وقالت إن مؤسسة مصر الخير تؤمن منذ تأسيسها عام 2007 بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالاستثمار في الإنسان، وأن تحقيق التنمية المستدامة يتطلب التعاون والتكامل بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والجامعات والمؤسسات البحثية.
وأضافت أن المؤسسة تعمل في مجالات التعليم والصحة والتكافل الاجتماعي ومناحي الحياة والبحث العلمي والابتكار، بهدف إحداث أثر حقيقي ومستدام في حياة المواطنين بمختلف المحافظات، موضحة أن دور قطاع البحث العلمي والابتكار لا يقتصر على دعم الأبحاث وتشجيع الشباب على الابتكار، بل يمتد إلى ربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع ومساعدة الباحثين والمبتكرين ورواد الأعمال على تحويل أفكارهم إلى حلول قابلة للتطبيق ومنتجات وخدمات تحقق أثراً اقتصادياً واجتماعياً وبيئياً مستداماً.
وأكدت أن تحويل الأفكار إلى مشروعات ناجحة يحتاج إلى بيئة داعمة وتوجيه متخصص وفرص للتعاون والتمويل، بما يساعد الشركات الناشئة على تطوير منتجاتها وتعزيز قدراتها الإنتاجية وتحقيق الاستمرارية والنمو، وهو ما يستهدفه «Ecoscale» الذي تنفذه حاضنة «جسر» التابعة لمؤسسة مصر الخير لدعم الشركات الناشئة المقدمة لحلول مبتكرة في مجال الاقتصاد الأخضر.
المخلفات مورد.
والتحديات نقطة انطلاق.
وأشارت نجوى السيد إلى أن الاقتصاد الأخضر والدائري لا يمثلان قضية بيئية فحسب، بل يفتحان آفاقاً اقتصادية حقيقية، موضحة أن المخلفات التي يُنظر إليها كمشكلة يمكن تحويلها إلى مصادر للدخل ومنتجات جديدة، كما يمكن أن تمثل تحديات الطاقة والمياه والزراعة نقطة انطلاق لمشروعات مبتكرة توفر فرص عمل وتحسّن حياة المواطنين.
وأضافت أن البرنامج ركّز على ثلاثة مجالات أساسية: الاقتصاد الدائري من خلال تشجيع الاستخدام الأمثل للموارد وإعادة استخدامها وتدويرها بدلاً من إهدارها، والعمل المناخي عبر دعم الابتكارات التي تساعد على مواجهة التغيرات المناخية والحفاظ على البيئة، والإدارة المستدامة للمخلفات من خلال تطوير حلول عملية تحد من أضرارها وتحوّلها إلى موارد ذات قيمة اقتصادية.
وأوضحت أن الدعم قُدّم عبر مسارين: الأول لتسريع الأعمال ويشمل التدريب الفني والإرشاد والتوجيه والدعم العيني وإتاحة فرص التواصل مع الخبراء والشركاء في منظومة ريادة الأعمال، والثاني للتمويل لمساعدة الشركات المؤهلة على تطوير قدراتها الإنتاجية وتحسين منتجاتها وتوسيع أعمالها والوصول إلى أسواق وفرص جديدة.
74 طلب تمويل و83 طلب تدريب.
واختيار 29 شركة.
وكشفت رئيس قطاع البحث العلمي بمؤسسة مصر الخير أن برنامج «Ecoscale» استقبل 74 طلباً في مسار التمويل و83 طلباً للالتحاق ببرنامج التدريب، قبل اختيار 29 شركة ناشئة، بواقع 10 شركات في مسار التمويل و19 شركة في مسار تسريع الأعمال.
وأضافت أن الشركات المشاركة تمثل نماذج متنوعة للابتكار الأخضر وتغطي مجالات ومحافظات متعددة، بما يسهم في توسيع نطاق ريادة الأعمال الخضراء وإتاحة فرص جديدة أمام الشباب في مختلف أنحاء مصر.
وأشارت إلى أن إجمالي التمويل بلغ نحو 5.3 مليون جنيه، وامتد أثر البرنامج إلى 10 محافظات، فيما حققت الشركات المشاركة متوسط زيادة في الإنتاج يقارب ثلاثة أضعاف وأسهمت في توفير نحو 60 فرصة عمل دائمة إلى جانب 300 فرصة عمل مؤقتة وغير مباشرة.
وأكدت أن هذه الأرقام لا تمثل مجرد إحصائيات، بل تعكس فرصاً حقيقية للنمو ومشروعات تتطور وفرص عمل تتولد وحلولاً مبتكرة تساعد على التعامل بكفاءة أكبر مع التحديات البيئية.
ولفتت إلى أن مشروعات الشركات المشاركة قدّمت نماذج متنوعة للابتكار الأخضر، من بينها شركات تحوّل المخلفات الزراعية والعضوية إلى أسمدة ومنتجات حيوية، وأخرى تعمل على إنتاج وقود بديل من المخلفات، إلى جانب مشروعات لإعادة تدوير الموارد وشركات تستخدم التكنولوجيا الزراعية والذكاء الاصطناعي لترشيد استهلاك المياه والطاقة وتحسين الإنتاجية.
وقالت إن هذه النماذج تؤكد أن الابتكار الأخضر ليس مجرد شعار، بل فرصة لإقامة مشروعات ناجحة تحقق عائداً اقتصادياً وتقدّم في الوقت ذاته حلولاً للتحديات البيئية والمجتمعية.
شراكات تصنع الفارق
ووجهت الشكر إلى رواد الأعمال وأصحاب الشركات الناشئة المشاركين، مؤكدة أنهم يعكسون قدرة الشباب المصري على الابتكار وتقديم حلول مختلفة للتحديات القائمة، ومشددة على أن نجاح المشروعات لا يتوقف عند امتلاك الفكرة أو الحصول على التمويل، بل يتطلب التطوير المستمر وفهم احتياجات السوق والاهتمام بجودة المنتجات وبناء شراكات قوية والتوسع وفق خطط مدروسة.
وأعربت عن أملها في أن تسهم قصص نجاح الشركات المشاركة في تشجيع المزيد من الشباب على دخول مجال ريادة الأعمال الخضراء والنظر إلى التحديات البيئية كفرص لتطوير مشروعات مبتكرة ومستدامة.
وأكدت أن تحقيق أهداف البرنامج كان ثمرة تعاون بين مختلف الجهات، موجّهة الشكر والتقدير إلى وزارة البيئة من خلال البرنامج الوطني لإدارة المخلفات الصلبة، والاتحاد الأوروبي ضمن مبادرة «EU Green»، والوكالة الألمانية للتعاون الدولي «GIZ» في مصر على دعمهم ومساهمتهم في تنفيذ البرنامج.
كما وجهت الشكر إلى فريق عمل حاضنة «جسر» وجميع الإدارات الداعمة بمؤسسة مصر الخير والخبراء والمدربين والمرشدين الذين أسهموا بخبراتهم وجهودهم في دعم الشركات المشاركة، مؤكدة تطلع المؤسسة إلى البناء على نتائج «Ecoscale» من خلال مبادرات جديدة تدعم الاقتصاد الدائري وتسهم في مواجهة التغيرات المناخية وتحويل المخلفات إلى موارد وفتح آفاق أوسع أمام الشباب ورواد الأعمال.
وأضافت أن تحويل المشكلة إلى حل والمخلفات إلى مورد والفكرة إلى مشروع ناجح لا يقتصر أثره على دعم شركة ناشئة، بل يمتد إلى تعزيز الاقتصاد وبناء مستقبل أكثر استدامة.
بداية واقع جديد للاقتصاد الدائري
من جانبه وجه أندرياس روب، رئيس المشروع بالوكالة الألمانية للتعاون الدولي، الشكر إلى مؤسسة مصر الخير على تنفيذ البرنامج، مشيداً بجهود فريق العمل في دعم الشركات الناشئة ومساعدتها على تحقيق أهدافها.
وأكد أهمية البرنامج في تحويل التحديات التي تواجه المجتمع إلى فرص حقيقية تحقق أثراً تنموياً مستداماً، مشيراً إلى أن فريق العمل قدّم الدعم للشركات المشاركة بأفضل السبل الممكنة، وهو ما أسهم في الوصول إلى النتائج المحققة واختتام البرنامج.
وقال إن الاحتفال لا يقتصر على ختام المشروع، بل يمثل احتفاءً ببداية واقع جديد في مجال الاقتصاد الدائري والاقتصاد الأخضر، مشدداً على أن الاستدامة عنصر أساسي لضمان استمرار أثر المشروعات وتعظيم نتائجها.
وأوضح أن الشركات الناشئة المشاركة قدّمت مشروعات مهمة في مجالات الحفاظ على البيئة وتعزيز أمن سلاسل الإمداد وتوفير فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، مؤكداً أن البرنامج لا يعتمد نهجاً واحداً أو حلولاً ثابتة، بل يتطور ويتوسع وفقاً لمتطلبات السوق واحتياجات الاستثمار، مع التركيز على الاستثمار في الأفراد وقدراتهم على الابتكار.

التعليقات