التخطي إلى المحتوى

دخلت الأزمة البحرية بين موسكو وبروكسل مرحلة أكثر خطورة، بعدما أعلنت روسيا رسمياً أنها بدأت باتخاذ «تدابير مضادة غير متكافئة» رداً على قيام دول في الاتحاد الأوروبي باحتجاز سفن تجارية في مياه بحر البلطيق، في تصعيد يعيد إلى الواجهة ما يُعرف إعلامياً بـ«حرب السفن» بين الشرق والغرب.

«قرصنة بحرية» في مياه دولية

ووصف فلاديسلاف ماسلينيكوف، مدير إدارة الشؤون الأوروبية في وزارة الخارجية الروسية، عمليات الاحتجاز بأنها «أعمال عدائية واستفزازية» تتناقض مع قواعد القانون الدولي وحرية الملاحة، محذراً من أن صبر موسكو لن يستمر إلى ما لا نهاية، ومؤكداً أن الجانب الروسي «يتخذ الخطوات المناسبة» للرد على ما اعتبره انتهاكاً صارخاً لحقوق سفنه [ref:1,2,3].وتذهب القراءة الروسية إلى أبعد من مجرد حادثة منفردة؛ إذ ترى الخارجية الروسية أن الهدف الأوروبي الأوسع هو السيطرة على الملاحة في بحر البلطيق وتحويله تدريجياً إلى «بحر داخلي» لحلف الناتو والاتحاد الأوروبي، بما يضيق الخناق على الممرات البحرية الحيوية المرتبطة بموانئ سانت بطرسبرغ وكالينينغراد [ref:15,24].

لماذا البلطيق؟ مصالح متشابكة وبنية تحتية هشة

يكمن سرّ حدة هذا التصعيد في الطبيعة الاستراتيجية للمنطقة.

فبحر البلطيق ممر مائي رئيسي لصادرات النفط والغاز الروسية نحو الأسواق الأوروبية والبحرية، ويضم شبكة كثيفة من الكابلات وخطوط الطاقة تحت سطح البحر التي شهدت حوادث تخريب متكررة خلال السنوات الأخيرة، ما دفع دولاً أوروبية إلى تضييق الرقابة على الشحن في محاولة لحماية بنيتها التحتية الحيوية.في المقابل، تعتمد روسيا على ما يعرف بـ«أسطول الظل» — مجموعة من الناقلات القديمة والمنخفضة القيمة السوقية التي تعمل تحت أعلام وملكيات مسجلة في دول ثالثة — للالتفاف على سقف أسعار النفط والعقوبات الغربية منذ عام 2022 [ref:32,33].

وقد توسّع هذا الأسطول ليضم أعداداً متزايدة من ناقلات النفط والمنتجات البترولية، مما جعله هدفاً مركزياً للاتحاد الأوروبي الذي يدرس آليات قانونية لتوسيع صلاحيات تفتيش الناقلات ومصادرتها في البلطيق.

«تدابير غير متكافئة»: ماذا تعني عملياً؟

يشير مصطلح «التدابير غير المتكافئة» في المفهوم الروسي إلى ردود لا تلتزم مبدأ المعاملة بالمثل حرفياً، بل تستهدف نقاط الضغط الأكثر إيلاماً لدى الخصم.

ويمكن أن تشمل هذه التدابير ربط احتجاز سفن أوروبية في المياه الروسية، أو فرض إجراءات تفتيش إضافية على الشحن المتجه إلى أوروبا عبر ممرات الشمال، أو تهديد مصالح الشحن الأوروبي عبر تحويل جزء من حركة التجارة إلى مسار القطب الشمالي.وتضاف إلى ذلك أدوات غير بحرية من قبيل التعاون مع دول ثالثة لتسجيل السفن و«تدوير» البيانات الخاصة بالملكية، وهي ثغرة كشفها الخبراء في كيفية تفريغ العقوبات من مضمونها [ref:32].

تداعيات أوسع على التجارة العالمية

التصعيد لا يقتصر على موسكو وبروكسل؛ فبحر البلطيق يعد أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في أوروبا، ويستقبل شحنات تمثل نسبة معتبرة من التجارة الخارجية لدول المنطقة.

وأي تعطيل لحرية الملاحة فيه يرفع كلفة التأمين على السفن، ويدفع إلى تحويل المسارات، ويغذي المخاوف من إعادة تسعير مخاطر الشحن في شمال أوروبا.كما أن تصاعد المواجهة البحرية يزيد من احتمالية حوادث متعمدة أو غير متعمدة قد تنزلق إلى مواجهة أوسع، خاصة في ظل تحويل البلطيق إلى جبهة جديدة في المواجهة بين الناتو وروسيا، وتنامي الأنشطة الهجينة من تخريب وهجمات إلكترونية وطائرات مسيّرة [ref:34,35].

إلى أين تتجه الأزمة؟

تترك التصريحات الروسية الأخيرة الباب موارباً أمام التصعيد التدريجي بدل التهدئة.

وبينما تصر بروكسل على أن إجراءاتها تهدف إلى حماية أمنها وتطبيق العقوبات، تصفها موسكو بأنها «ابتزاز بحري» غير قانوني.

وفي غياب قناة تفاوض مباشرة على هذا الملف، يبدو أن اختبار قوة جديد يرسم نفسه في مياه البلطيق، بانتظار ما ستسفر عنه الخطوة الروسية المقبلة وأثرها على أسواق الطاقة والشحن العالمية.

الأسئلة الشائعة

ما الذي أثار التوتر بين روسيا والاتحاد الأوروبي في البلطيق؟
قيام دول أوروبية باحتجاز سفن تجارية في مياه البلطيق، وهو ما اعتبرته روسيا أعمالاً عدائية.ما هو أسطول الظل الروسي؟
أسطول من الناقلات القديمة المسجلة بأسماء وجهات مجهولة يستخدم لتفادي العقوبات الغربية على صادرات النفط الروسية.ماذا تعني التدابير المضادة غير المتكافئة؟
ردود روسية لا تلتزم بالمثل حرفياً بل تستهدف نقاط ضغط أخرى لدى الخصم في مجالات الملاحة والتجارة والتسجيل.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *