التخطي إلى المحتوى

القاهرة ترفع سقف التحذير: لا شرعنة لاتفاقيات تمسّ السيادة المصرية

في تطور دبلوماسي بالغ الحساسية، وجّهت وزارة الخارجية المصرية رسالة صريحة وحازمة إلى الجانب التركي، أعلنت فيها رفض القاهرة القاطع لأي محاولة لتقنين أو إضفاء شرعية على قرارات صادرة عن مجلس النواب الليبي المنعقد في بنغازي، تتعلق بمذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين طرابلس وأنقرة عام 2019.

وأكدت القاهرة أن هذه المذكرة «باطلة ومعدومة الأثر القانوني»، في موقف يعيد رسم الخطوط الحمراء أمام أي ترتيبات بحرية تمسّ الحقوق السيادية للدول المطلة على البحر المتوسط [ref:1,2].

ماذا حدث بالضبط؟

في 20 أكتوبر 2026، صوّت مجلس النواب الليبي بالإجماع على اعتماد مذكرة التفاهم البحرية الموقعة في 27 نوفمبر 2019 بين حكومة الوفاق الوطني الليبية وتركيا، في خطوة أنهت سنوات من التحفظ الليبي على الاتفاقية [ref:21,27].

وتنص المذكرة على تحديد مناطق الصلاحية البحرية بين البلدين، بما يشمل الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة التي تسعى تركيا إلى ترسيخها في شرق المتوسط [ref:28].

واللافت أن مجلس النواب الليبي نفسه كان قد أعلن في 2020 رفضه للمذكرتين واعتبرهما لاغيتين، ما يجعل المصادقة الأخيرة تحولاً جوهرياً في الموقف الليبي، وأثار موجة اعتراضات إقليمية واسعة [ref:7,23].

لماذا ترفض مصر؟ الأبعاد القانونية والسيادية

يستند الموقف المصري إلى جملة اعتبارات قانونية وجيوسياسية:

  • غياب الشرعية التمثيلية: تشدد القاهرة على أن المذكرة لم تصدر عن أطر شرعية متفق عليها، ولم تحظَ بالمصادقة الدستورية اللازمة، ومن ثم فهي لا تُنشئ التزامات قانونية نافذة.
  • مخالفة القانون الدولي للبحار: تؤكد مصر أن المذكرة تتناقض مع مبادئ القانون الدولي، إذ لا تربط تركيا وليبيا سواحل متقابلة أو متجاورة تبرر هذا الترسيم، وهو ما يجعلها انتهاكاً للقواعد الدولية المنظمة للجرف القاري [ref:6].
  • المساس بالحقوق السيادية: تحذر القاهرة من أن الترتيبات البحرية على هذا النحو تلتهم مساحات من المنطقة الاقتصادية الخالصة المصرية في المتوسط، وهو ما يمسّ حقوقها في استكشاف واستغلال الموارد الطبيعية.
  • انعكاسات على الاستقرار الإقليمي: ترى مصر أن أي خطوات تصعيدية من شأنها تعقيد الأزمة الليبية وتقويض مسار التسوية السياسية الشاملة التي ترعاها الأمم المتحدة.

ولم يكن الموقف المصري منفرداً؛ فقد رفضت اليونان وإسرائيل بدورهما مصادقة البرلمان الليبي على الاتفاقية، مؤكدتين بطلانها ومساسها بحقوقهما السيادية، في حين رحّبت أنقرة بالقرار ووصفته بأنه انتصار دبلوماسي [ref:23,29].

إسطنبول: دبلوماسية المصارحة وخفض التصعيد

على هامش اجتماع وزراء خارجية مجموعة «R4» واللقاءات رفيعة المستوى التي استضافتها مدينة إسطنبول، طرح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي الموقف المصري بوضوح وشفافية أمام نظيره التركي هاكان فيدان، حيث جدد تأكيد رفض مصر لمذكرة ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، وتمسّكها بمبادئ العدل والإنصاف بين الدول وبالقانون الدولي [ref:15,16].

وأفاد المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، السفير نادر زكي، بأن مشاركة الوزير في هذه الاجتماعات جاءت في إطار البحث عن آليات حقيقية لخفض التصعيد وتهدئة الأجواء الملبدة بالغيوم في المنطقة، مشيراً إلى أن اللقاءات شهدت التأكيد على أهمية احترام وحدة الأراضي الليبية بعيداً عن أي إملاءات خارجية أو اتفاقات تفتقر إلى الشرعية الوطنية [ref:17].

ومن جانبه، أكد الوزير التركي فيدان تفهّمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق بين البلدين، مشيراً إلى أن أنقرة تدعم المساعي الليبية لتوحيد المؤسسة العسكرية [ref:11,12,17].

ما الذي يعنيه هذا الملف لمستقبل شرق المتوسط؟

ملف ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط ليس قضية تقنية، بل هو مفتاح رئيسي لمعادلة الطاقة والأمن الإقليمي.

فالمتوسط الشرقي يحتضن أحد أكبر اكتشافات الغاز الطبيعي في العقود الأخيرة، ومن ثم فإن أي ترسيم غير متوازن للمناطق الاقتصادية الخالصة ينعكس مباشرة على حقوق الدول في ثرواتها البحرية.

ومن المرجح أن يشكل الموقف المصري ورقة ضغط في أي مفاوضات مقبلة مع أنقرة، خصوصاً في ظل مسار التقارب المصري-التركي الذي شهد دفعات متتالية خلال السنوات الأخيرة.

وقد يُفضي هذا التصعيد إلى إعادة إحياء المسارات الدبلوماسية لحل الخلاف البحري، أو على الأقل إلى تجميد أي محاولة لتنفيذ الاتفاقية على الأرض.

ويبقى السؤال الأبرز: هل تنجح الدبلوماسية المصرية في إقناع أنقرة بالعدول عن الدفع نحو تنفيذ الاتفاقية؟ أم أن الملف سيبقى قنبلة موقوتة في أجندة العلاقات الإقليمية خلال المرحلة المقبلة؟

خلاصة: رسالة القاهرة إلى أنقرة لم تكن مجرد احتجاج عابر، بل تأكيد صريح بأن السيادة المصرية وحدودها البحرية خط أحمر لا يقبل المساومة، وأن أي ترتيبات لا تحترم الشرعية والقانون الدولي لن تجد سوى الرفض المصري القاطع.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *