في خطوة تنموية غير مسبوقة تهدف إلى إعادة إحياء الحرف التراثية ودعم الاقتصاد القاعدي، شهدت محافظة أسوان انطلاق الفعاليات الرسمية للمبادرة الرئاسية الطموحة «القرية المنتجة»، التي تسعى إلى تحويل القرى المصرية إلى خلايا إنتاج حقيقية قادرة على الاكتفاء الذاتي والتصدير، عبر استثمار الموارد الطبيعية والبشرية الهائلة التي تمتلكها «زهرة الصعيد».
تمكين اقتصادي واسع لأبناء الريف الأسواني
أكد المهندس عمرو لاشين، محافظ أسوان، أن المبادرة تمثل شريان حياة جديدًا لأهالي القرى والنجوع، إذ ترتكز في الأساس على خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة للشباب والمرأة المعيلة.
وأوضح أن الدولة لا تقتصر على مد خدمات البنية التحتية، بل تنتقل بقوة إلى مرحلة الإنتاج الحقيقي وتمكين المواطنين اقتصاديًا، من خلال تدريبهم وتوفير حاضنات أعمال للمشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر.
وتأتي هذه الخطوة في إطار رؤية أوسع تعتمد على ربط برامج الحماية الاجتماعية بمنظومة الإنتاج، بحيث تتحول الأسر المستفيدة من الدعم إلى أسر منتجة قادرة على إعالة نفسها، وهو ما يعزز من استدامة التنمية ويحد من الاعتماد على المساعدات المباشرة على المدى الطويل.
دعم التصنيع المحلي وتعظيم الاستفادة من الموارد
تستهدف مبادرة «القرية المنتجة» بأسوان تعظيم القيمة المضافة للمنتجات المحلية والزراعية المشتهرة بها المحافظة، مثل التمور والحرف اليدوية النوبية والصناعات الغذائية القائمة على المحاصيل الحقلية.
ومن خلال توفير الدعم الفني والتسويقي، ستشهد الفترة القادمة نقلة نوعية في جودة المنتجات المحلية لتناسب الأسواق المحلية والدولية، بما يضع القرى الأسوانية على خريطة الاستثمار والتنمية المستدامة بشكل يليق بتاريخها وعراقتها.
التمور والحرف النوبية في صدارة المنتجات المستهدفة
تحتل التمور الأسوانية مكانة متميزة على خريطة التصدير، إذ تُعد مصر من أكبر الدول المنتجة للتمور عالميًا، وتمتلك أسوان أصنافًا مرغوبة مثل «السكوتي» و«البارحي»، مما يفتح آفاقًا واسعة أمام إنشاء وحدات تصنيع وتعبئة وتغليف داخل القرى نفسها، بدلًا من تصدير المادة الخام.
كما تمثل الحرف اليدوية النوبية، من مشغولات ونسيج وفخار وإكسسوارات، هوية ثقافية أصيلة يمكن تحويلها إلى علامة تجارية تصديرية تجمع بين الجودة والحرفة المتوارثة.
روافد داعمة: المشروعات الصغيرة والمرأة والشباب
تتكامل المبادرة مع مبادرات وطنية أخرى مثل مشروع «حياة كريمة» في تطوير البنية التحتية والخدمات، إلى جانب برامج دعم المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، التي توفر تمويلًا ميسرًا وتدريبًا مهنيًا.
ويشكل تمكين المرأة الريفية محورًا أساسيًا، من خلال تشجيعها على إقامة مشروعات منزلية في الحرف الغذائية واليدوية، وهو ما يوفر دخلًا إضافيًا للأسرة ويحول المهارات المنزلية إلى قيمة اقتصادية مضافة.
ويقوم نجاح المبادرة على عدد من الركائز، منها: ربط الإنتاج بالأسواق عبر منافذ ومعارض دائمة، وإدخال التكنولوجيا في التسويق عبر المنصات الرقمية، وتكوين تعاونيات قروية تجمع صغار المنتجين لتحقيق قوة تفاوضية أكبر، إضافة إلى الاستفادة من الفرص التي تتيحها السوق الأفريقية القريبة جغرافيًا عبر منفذ أسوان البري.
أثر متوقع على الاقتصاد القاعدي
مما لا شك فيه أن نجاح المبادرة في قرى أسوان سيعني تحويل عدد من النجوع من مجرد مستهلكة للدعم إلى منتجة ومصدّرة، وهو ما ينعكس إيجابًا على مؤشرات التشغيل ومعدلات الفقر ومستوى الدخل الأسري، ويعزز من إحياء الحرف التراثية التي كانت مهددة بالاندثار.
كما يرسخ المشروع فكرة «الاقتصاد الدائري» داخل القرية، بحيث تعود عوائد الإنتاج إلى أبنائها وتُعاد استثماراتها محليًا.
بهذا المعنى، لا تُعد «القرية المنتجة» مجرد مبادرة خدماتية، بل رؤية استراتيجية لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والريف، تقوم على الإنتاج والتمكين والاستدامة، وتستعيد مكانة القرية المصرية كمركز إنتاجي أصيل قادر على المنافسة في الأسواق المحلية والدولية.

التعليقات