بقلم: د.
مها العطار.
هل أنت مستعد الآن لعبور بوابات أكثر غموضًا؟ بوابات تفتح على عالم الشفرة والرموز النبوية، حيث نكتشف كيف استخدم الأنبياء والعارفون القدماء هذه المنظومة الكونية لفك أسرار الغيب وتجاوز حدود المادة.
إنها رحلة لا تبحث عن إجابات جاهزة، بل عن وعي جديد يقرأ الوجود قراءة مختلفة.
ساعة القدر: مرآة لا آلة
حين نتحدث عن القدر نتخيله غالبًا شيئًا مكتوبًا لا يتغير، كأنه نصّ مغلق أُغلق قبل أن نُولد.
أما الحكماء، فقد رأوا القدر بطريقة مختلفة تمامًا: القدر ليس طريقًا واحدًا… بل إمكانات متعددة.
والوعي هو الذي يحدد أي طريق يسلكه الإنسان.
ولهذا تصبح «ساعة القدر» ليست آلة تعدّ وتجمع الأيام، بل مرآة تكشف المرحلة التي يعيشها الإنسان في رحلته.
فإذا كان وعيه أسير الخوف، قرأ الأحداث بوصفها تهديدًا.
وإذا نضج وعيه، قرأ الأحداث نفسها بوصفها دعوة إلى النمو.
النجوم لم تتغير… لكن القارئ هو الذي تغيّر.
وهنا يكمن الفرق بين من يعيش القدر كقيد، ومن يعيشه كفرصة.
وهذا المعنى يلتقي مع حكمة قديمة راسخة: النجوم لا تقود السفينة.
فالبحّار القديم كان ينظر إلى النجوم ليعرف اتجاهه، لكنه كان يعلم يقينًا أن النجوم لن تحرّك السفينة… هي تهديه ولا تدفعه.
وهكذا أيضًا رموز السماء: إنها لا تلغي حرية الإنسان، ولا تكتب قراراته، بل تمنحه بوصلةً تساعده على فهم موقعه في الرحلة.
الوعي مفتاح قراءة الرموز
الرمز في هذا الفهم ليس رسالة جامدة، بل لغة حيّة تتكلم بقدر ما يستطيع الوعي أن يسمع.
فالرموز النبوية والشفرة الكونية لم تُوضع لتُحفظ حفظًا آليًا، بل لتُقرأ بعين تأمّلية وقلب صافٍ.
وكلما اتسع وعي الإنسان، اتسعت معه دلالة الرمز، وانكشف من معانيه ما كان مستورًا عنه.
ولهذا نجد العارفين القدماء لا يسألون: ماذا تقول السماء؟ فحسب… بل يسألون أولًا: هل نحن قادرون على السماع؟.
وفي هذا إشارة بالغة الأهمية إلى أن الغيب لا يُختَرق بالقوة ولا بالادعاء، بل يُقرأ بالأدب والوعي.
فمن يقف عند حدود المادة لا يرى إلا المادة؛ ومن يعبر هذه الحدود بوعيه يبدأ في إدراك أن للحياة طبقات كثيرة، بعضها مرئي وبعضها مستور، وأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يربط بينها.
حرية الإنسان بين البوصلة والقرار
إن هذه النظرة إلى القدر والرموز تحفظ للإنسان كرامته ومسؤوليته معًا.
فالسماء تقدّم البوصلة، لكن الإنسان هو الذي يمسك الدفّة.
والرموز توضّح الطريق، لكن السير يبقى فعلًا إنسانيًا خالصًا.
ومن هنا فإن الوعي ليس ترفًا فكريًا، بل هو المفتاح الذي يفرق بين من يقرأ حياته كقدر مسلّط عليه، ومن يقرأها كمسؤولية يشارك في صياغتها.
وخلاصة هذه الرحلة أن الشفرة والرموز النبوية ليست مفتاحًا سحريًا يُلغي الغيب، بل هي دعوة دائمة إلى الارتقاء بالوعي حتى يصبح الإنسان مرآةً صافيةً يقرأ بها نفسه وموقعه في الكون، ويتعلم أن القدر إمكانات متعددة، وأن النجوم تهدي ولا تقود، وأن السماء ترشد ولا تُجبر.
من كتاب «السر السابع» – د.
مها العطار، صفحة 80–81.

التعليقات