التخطي إلى المحتوى

شهدت الساحة السياسية الإسرائيلية تحولات جذرية مع عودة بنيامين نتنياهو لتولي مقاليد الحكم للمرة السادسة في تاريخه السياسي، وهو إنجاز غير مسبوق في تاريخ دولة الاحتلال.

ولم يأتِ هذا الصعود من فراغ، بل جاء ثمرة لتحالفات سياسية معقدة وائتلاف حكومي هو الأكثر يمينية وتطرفاً في تاريخ إسرائيل، ضم شخصيات قومية متشددة عُرفت بمواقفها المتطرفة تجاه القضية الفلسطينية وتاريخها الحافل بالتصريحات الاستفزازية.

تشكيل الائتلاف: توازنات هشة وأثمان سياسية باهظة

اضطر نتنياهو للقبول بأثمان سياسية باهظة مقابل ضمان تأمين أغلبية برلمانية مريحة (64 مقعداً من أصل 120 في الكنيست)، حيث تنازل لحلفائه عن ملفات سيادية كان يحتكرها في حكوماته السابقة.

وقد تركزت هذه التنازلات في ثلاث حقائب محورية: وزارة الأمن القومي، ووزارة المالية، إضافة إلى صلاحيات موسعة للملف الاستيطاني داخل وزارة الدفاع عبر ما يُعرف بـ«المنسق» الجديد للشؤون المدنية.

وجوه جديدة وأجندات خفية في الضفة

تولى حلفاء نتنياهو الجدد مناصب حساسة وحيوية داخل الحكومة، حيث تسعى هذه الأسماء بشتى الطرق لتنفيذ مخططات استيطانية واسعة النطاق.

وتشير التقارير الاستخباراتية والسياسية إلى أن الأجندة الأساسية لهذا التيار تعتمد بشكل مباشر على تقويض الوجود الفلسطيني، ودفع الأمور نحو فرض سيطرة كاملة واستيلاء ممنهج على الأراضي في الضفة الغربية.

ويبرز في هذا السياق دور شخصيات مثل إيتامار بن غفير، الذي تولى وزارة الأمن القومي وامتد نفوذه إلى إدارة شؤون الشرطة والقيود على دخول المصلين إلى المسجد الأقصى، وبتسلئيل سموتريتش في وزارة المالية الذي حصل على صلاحيات واسعة تخص البناء الاستيطاني وإدارة الشؤون المدنية، إلى جانب شخصيات أخرى تدير ملفات الاستيطان في مجلس «يشع» وتبني مشاريع التوسع في المستوطنات.

وقد تعزز هذا التوجه بعد التعديلات التي أُدخلت على توزيع الصلاحيات، حيث انتقلت اختصاصات عدة من وزارة الدفاع إلى وزراء آخرين.

أدوات التنفيذ: من التخطيط إلى الاستيطان الميداني

لم تقتصر الأجندة على الخطاب السياسي، بل تحولت إلى آليات عملية على الأرض.

فقد شهدت الفترة الأخيرة تسريعاً ملحوظاً في المصادقة على مخططات استيطانية جديدة، وطرح مناقصات لبناء آلاف الوحدات السكنية في مستوطنات متاخمة للمدن الفلسطينية، ما يهدد بقطع التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية.

كما صعّدت الحكومة عمليات هدم المنازل والمنشآت في المناطق المصنفة «ج»، وقيدت حركة السكان عبر الحواجز والبوابات، إلى جانب الإجراءات القانونية التي تستهدف تقليص صلاحيات السلطة الفلسطينية ماليّاً وإدارياً.

وتزامن ذلك مع تقليص محدودية منح تصاريح العمل، وتشديد العقوبات الجماعية، وإطلاق خطط لضم مناطق واسعة من الضفة الغربية بشكل تدريجي في إطار ما يوصف بـ«الضم الفعلي» أو «الضم الزاحف»، وهو ما يعكس تحولاً من إدارة الصراع إلى فرض الحقائق على الأرض.

تداعيات التحالف المتطرف على الاستقرار الإقليمي

يثير هذا التحالف قلقاً بالغاً على الصعيدين الإقليمي والدولي، خاصة مع إسناد الملفات الأمنية والاستيطانية لشخصيات لا تؤمن بالحلول الدبلوماسية.

ويتابع الشارع المصري والعربي باهتمام بالغ هذه التطورات التي تهدد بتفجير الأوضاع الميدانية في أي لحظة، في ظل إصرار حكومة نتنياهو على المضي قدماً في سياساتها التصعيدية بدعم كامل من أجنحتها المتطرفة.

وقد عبرت عدة عواصم عربية وأوروبية عن قلقها من احتمال انفجار الأوضاع في الضفة الغربية، محذرة من أن استمرار الاستيطان وسياسات التصعيد سيقوضان نهائياً أي فرص لسلام مستقبلي ويشكلان انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.

كما تُطرح أسئلة جدية حول استدامة هذا الائتلاف الداخلي، في ظل تصاعد الضغوط الخارجية وتراجع الدعم السياسي الدولي لإسرائيل، وهو ما يجعل مصير حكومة نتنياهو السادسة رهيناً لتوازنات داخلية هشة ولاعتبارات خارجية لا يمكن تجاهلها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *