في واحدة من أكثر الجلسات الثقافية إثارة للجدل في فعاليات الدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي الدولي، فجّر المخرج الكبير يسري نصر الله مجموعة من المفاجآت داخل جلسة «ماستر كلاس» حظيت بحضور كثيف من صنّاع السينما والجمهور، بعد أن رفع الستار عن كواليس صناعة أحد أهم أفلامه في مسيرته الفنية، وهو «جنينة الأسماك» الصادر عام 2008، الذي أثار وقت عرضه نقاشاً واسعاً في الأوساط النقدية ووصل إلى نطاق الجمهور العريض بعد دوره في مواسم العرض السينمائية والعرض التلفزيوني.
بداية الحكاية: رؤية إخراجية تبحث عن وجهها المناسب
شرح نصر الله أن اختيار أبطال «جنينة الأسماك» لم يكن قراراً سهلاً أو عابراً، بل مرحلة دقيقة من مراحل الإعداد استهلكت وقتاً وجهداً من فريق العمل؛ فالفيلم الذي كتبه وشارك في كتابته مع ناصر عبد الرحمن، ويقوم على شخصيات مركّبة تتحرك في منطقة رمادية بين الهموم الشخصية والتحولات الاجتماعية، كان يحتاج إلى ممثلات قادرات على التجسيد بمرونة عالية ودون مبالغة أو تكلّف.
وأوضح أنه رغم ثقته الكبيرة في بنية الدور، فإن مسألة اختيار الممثلة دائماً ما تكون الأصعب في أفلام من هذا النوع، لأن الأداء وحده هو ما يحوّل النص المكتوب من ورقة إلى شخصية تنبض على الشاشة.
منى زكي.
المرشحة الأولى والاعتذار المفاجئ.
المفاجأة التي أذهلت الحضور كانت كشفه بأن النجمة منى زكي كانت الخيار الأول والمرشحة الأبرز لبطولة العمل، بيد أن الاعتذار جاء في اللحظات الحاسمة وقبل بدء التحضيرات النهائية للإنتاج، وهو ما وضع فريق العمل وأسرة الفيلم أمام تحدٍّ حقيقي لإعادة ترتيب الأوراق والبحث عن بديل يتوافق مع الرؤية الإخراجية، دون التفريط في مستوى المشروع أو تأجيله.
ويذكر أن العلاقة الفنية بين منى زكي ويسري نصر الله لم تنقطع، إذ تعاونا لاحقاً في فيلم «مركز التجارة العالمي»، في إطار من التعاون الذي يكشف أن ما جرى في «جنينة الأسماك» لم يكن خلافاً حقيقياً بقدر ما كان ظرفاً توقيتياً أعاد ترتيب الأقدار الفنية لكل الأطراف.
هند صبري: من بديل طارئ إلى بطلة محفورة في ذاكرة السينما
الاعتذار لم يكن نهاية الطريق، بل تحوّل إلى نقطة انطلاق لاكتشاف طاقة تمثيلية استثنائية كانت مشحونة بوعي مهني نادر.
فقد وقع الاختيار على النجمة التونسية هند صبري لتؤدي الدور، وهي التي تقف على أرضية فنية راسخة في السينما العربية، ولم تفوّت الفرصة.
وأكد نصر الله أنها أبهرته بنضج الأداء وعمق الأداء الإنساني، وقدمت قراءة مغايرة للشخصية تجاوزت توقعاته الأصلية، وضخّت في العمل أبعاداً درامية جعلته من أكثر الأفلام القريبة من وجدان الجمهور المصري، ليتحول اعتذار منى زكي من «أزمة إنتاج» إلى «نعمة فنية» بكل المقاييس.
لماذا لعبت الأقدار لصالح الفيلم؟
لا يزال «جنينة الأسماك» قادراً على الجدل بعد أكثر من 17 عاماً، وهند صبري قدمت فيه واحدة من أبرز محطاتها السينمائية، ما يؤكد أن الاختيار الخاطئ في التوقيت قد يكون صحيحاً في التقدير.
فثقافة الاعتذار عند الفنان ليست عيباً، بل قرار احترافي قد يكون في بعض الأحيان مفيداً للعمل ذاته إذا وجد المشروع وجهه الصحيح في اللحظة المناسبة.
وبينما ينتظر الجمهور إصدار توثيقي كامل عن الجلسة، يبقى السؤال الأهم: هل كان مسار «جنينة الأسماك» سيتغير لو لم تعتذر منى زكي؟ الإجابة ربما لا نعرفها أبداً، لكن ما نعرفه يقيناً أن ما حدث أعطى السينما العربية واحدة من أجمل بطولاتها.

التعليقات