مقدمة: لماذا يتجه المسلمون إلى القرآن طلباً للشفاء؟
في ظل تزايد الضغوط النفسية والجسدية التي يواجهها الناس في حياتهم اليومية، يلجأ كثيرون إلى القرآن الكريم بحثاً عن السكينة والطمأنينة والشفاء من الأمراض.
ولا يمثل هذا التوجه ظاهرة حديثة، بل هو سلوك إيماني ضارب في القدم، أكده النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «خير الدواء القرآن» وبقوله أيضاً: «من لم يستشفِ بالقرآن فلا شفاه الله».
وقد كثُرت في الآونة الأخيرة التساؤلات حول الحكم الشرعي في تخصيص آيات معينة بنية الشفاء، وطريقة أداء الرقية الشرعية على الوجه الصحيح، وهو ما تستعرضه هذه المقالة بالتفصيل.
ما هو مفهوم الرقية الشرعية والاستشفاء بالقرآن؟
الرقية الشرعية في اصطلاح الفقهاء هي ما يُقرأ من آيات القرآن الكريم والأدعية النبوية الصحيحة والأسماء الحسنى بغرض التحصين والشفاء من الأوجاع والأمراض والعلل، وهي في جوهرها التماس للشفاء من الله وحده معتبراً القرآن سبباً ووسيلةً، لا فاعلاً مستقلاً.
ومن هنا ينبغي التمييز بين مفهومين: الأول هو «الاستشفاء بالقرآن» بمعنى قراءة آيات مخصوصة بنية الشفاء، والثاني هو «الرقية الشرعية» بمعنى التعويذ والتحصين والالتجاء إلى الله.
وكلا المفهومين مشروعان بشرط مراعاة الضوابط الشرعية والاعتقاد الجازم بأن الشافي هو الله سبحانه.
الحكم الشرعي: هل يجوز التداوي بآيات القرآن الكريم؟
أكدت دار الإفتاء المصرية أن الاستشفاء بكتاب الله تعالى جائز شرعاً ومستحب، مستندةً إلى قوله سبحانه وتعالى: «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ» وقوله: «قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ».
وأوضحت الفتوى أن قراءة القرآن عامةً، أو تخصيص بعض الآيات التي وردت في السنة أو جرّبها الصالحون بنية الاستشفاء، أمر مشروع لا حرج فيه.
غير أن هذا الجواز مشروط بأمرين أساسيين: الأول أن يعتقد المسلم اعتقاداً جازماً أن الشفاء بيد الله وحده، وأن القرآن سبب ووسيلة للتبرك والدعاء لا مؤثراً بذاته.
والثاني أن تُصان الرقية من كل ما يخالف العقيدة الصحيحة أو يخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد أفرد الإمام ابن القيم في «زاد المعاد» باباً مطولاً للرقية والطب النبوي، مبيّناً أن الرقية بالقرآن من أنفع الأدوية وأقواها تأثيراً في شفاء الأبدان، إذا اقترنت بإيمان الراقي والمرقي وتوكل القلب على الله.
أفضل السور والآيات المستخدمة في الرقية الشرعية
تتنوع النصوص التي تُقرأ في الرقية الشرعية، ويعدّ أبرزها ما يلي:
- سورة الفاتحة: تُعد أعظم الرقى وأساسها، فهي «الشافية الكافية»، وفي الحديث قصة الصحابي الذي رقى سيد حيٍّ من الأنصار بفاتحة الكتاب فبرئ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وما أدراك أنها رقية؟».
- آية الكرسي: أعظم آية في القرآن الكريم، وأشهر ما يُقرأ للتحصين عند النوم وفي الصباح والمساء، كما ورد في الحديث: «من قرأها حين يأوي إلى فراشه لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح».
- خواتيم سورة البقرة: الآيتان الأخيرتان من سورة البقرة، وقد ورد أنهما كفتا صاحبهما من كل شر، وأنهما أُعطيَهما النبي صلى الله عليه وسلم من كنز تحت العرش.
- المعوذتان (الفلق والناس): سورتا الفلق والناس، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بهما، وأنهما من أفضل ما يُستعاذ به، ولهما مكانة عظيمة في التحصين من الحسد والسحر والأذى.
- آيات الشفاء المخصوصة: ومنها قوله تعالى «ويشف صدور قوم مؤمنين»، و«وإذا مرضت فهو يشفين»، و«أنه هو أذهب الضحك والبكاء»، إضافة إلى آيات أخرى ترددت في نصوص الفقهاء.
ويُستحب للمسلم أن يقرأ هذه الآيات بيقين وخشوع، مع النفث في الكفين والمسح بهما على الجسد، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم حين يجمع كفيه وينفث فيهما ويقرأ المعوذتين ثم يمسح بيديه وجهه وما استطاع من بدنه يفعل ذلك ثلاثاً.
ضوابط وشروط صحة الرقية الشرعية
شدّد العلماء على ضرورة خلو الرقية الشرعية من أي تجاوزات أو ألفاظ غير مفهومة قد تتقاطع مع العقيدة الصحيحة، مستندين إلى الحديث الشريف: «لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك».
ويُجمل الفقهاء ضوابط الرقية الصحيحة في النقاط الآتية:.
- أن تكون الرقية بآيات القرآن الكريم والأدعية النبوية الثابتة والأسماء الحسنى، فلا تُقبل الألفاظ المبهمة أو الطلاسم أو الرموز التي لا يُدرك معناها.
- أن يعتقد الراقي والمرقي أن الشفاء من الله وحده، وأن الرقية سبب لا فاعل، خاليةً من الاعتقاد بقدرة الراقي أو الجني أو أي مخلوق.
- أن تُؤدى الرقية بلسان عربي مفهوم المعاني، لا بما يتنافي مع العقل أو الشريعة.
- أن تجتنب الرقية التي تقوم على معاصٍ أو محرمات، أو تلك التي تُخذ فيها صفة الأعشاب والتمائم من دون مراعاة الأحكام الفقهية.
- ألا تكون الرقية على وجه التبرك بالأشخاص أو الجاه أو الأماكن، بل تكون خالصة لله وحده.
العلاج الطبي والرقية الشرعية: التوازي لا التنازع
من أشد ما قد يقع فيه بعض المرضى الاعتقاد بأن الرقية وحدها تكفي في مواجهة الأمراض، وهو فهم خاطئ حذر منه العلماء، مؤكدين أهمية الأخذ بالأسباب والجمع بين الرقية الروحية والعلاج الطبي.
فالإسلام لا يمنع العلاج البشري، بل يحث عليه ويأمر به، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تداووا عباد الله فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد: الهرم».
كما أمر أحد الصحابة حين قال: «أدوار الأنصار» أن يتداوى، فجمع بين الأمر بالرقية والأمر بالتداوي.
ولهذا فإن الأولى أن يبقى المسلم متوكلاً على الله معتمداً عليه، مأخذاً بأسباب الشفاء المشروعة من الأدوية والفحوصات والأطباء المتخصصين، مقروناً ذلك بالرقية الشرعية والدعاء والذكر.
بهذا يتكامل البعد الروحي مع البعد المادي، فلا يُغنى أحدهما عن الآخر.
نصائح عملية للمواظبة على الرقية الشرعية
- الالتزام بأذكار الصباح والمساء والأذكار المثبتة كاملة، فهي حصن حصين من كل مكروه.
- قراءة سورة الفاتحة وآية الكرسي والمعوذتين قبل النوم يومياً.
- الحرص على الطهارة والخشوع واستشعار معاني الآيات عند القراءة.
- المواظبة على الصدقة والدعاء، ففيهما من أسباب الشفاء ما لا يُدرك.
- استشارة أهل العلم الثقات في حال وجود ما يستدعي ذلك، والابتعاد عن المشعوذين ومن يدعي الغيب.
- عدم التوقف عن العلاج الطبي أو تغيير خطته اعتماداً على الرقية وحدها.
خاتمة
يتجلّى في الاستشفاء بالقرآن الكريم نموذج فريد للتوازن بين الروح والجسد، فالله سبحانه جعل كتابه شفاءً ورحمةً، والنبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى أرقى صور الرقية الشرعية في قولها وأفعالها.
وإذا كانت المسألة جائزة شرعاً بل مستحبة، فإن رعاية ضوابطها وقواعدها والجمع بينها وبين الأخذ بالأسباب من واجبات الممارسة الصحيحة، فلا يغفل المسلم عن التوكل واليقين أن الشافي هو الله وحده، فيصلك ذلك الطمأنينة المنشودة ويرسي دعائم الصحة والعافية.

التعليقات