التخطي إلى المحتوى

تتكرر في الشارع المصري عباراتٌ دارجة على ألسنة كثير من الناس عند العزم على ترك أمر أو التحذير منه، ومن أشهرها قول: “وَحَدُّ الله لا أفعل كذا”، وما يشبهها من الصيغ التي يُقسم بها بعضهم دون إدراكٍ لحكمها الشرعي الدقيق.

ولأن هذه الألفاظ تمسّ باب الأيمان والنذور، فقد تصدّى علماء دار الإفتاء المصرية لبيان الرأي الشرعي فيها قطعًا للشك وإزالةً للوساوس التي قد تعتري المستفتين.

ضوابط الأيمان والعقود اللفظية في الفقه الإسلامي

يوضح الفقهاء أن اليمين الشرعية لا تنعقد بمجرد النطق بأي عبارة تحمل معنى التأكيد، بل لا بد من توافر شروطٍ محددة، أبرزها أن تكون الصيغة مشتملة على اسمٍ من أسماء الله تعالى أو صفةٍ من صفاته، مع اقترانها بالنية والعزم على الامتناع عن الفعل أو الالتزام به.

ومن تحقّقت فيه هذه الشروط وجبت عليه الكفارة عند الحنث.

أما العبارات التي لا تُذكر فيها أسماء الله صراحةً، ولا تُعدّ في العُرف قسَمًا بالنظر إلى اللفظ ذاته، فيرجع الحكم فيها إلى نيّة قائلها والقرائن المحيطة بها وقت التلفّظ، وهو ما يستلزم فهمًا دقيقًا لنصوص الفقه ومقاصد الشريعة في هذا الباب.

مدلول عبارة “وَحَدُّ الله” بين التأكيد واليمين

بيّنت لجان الفتوى أن الصيغ من هذا النوع قد تُستعمل لغرض تأكيد القول وتقويته، أو إظهار العزم الجازم على الامتناع عن شيءٍ ما، ولا ترقى بالضرورة إلى كونها يمينًا منعقدة بالمعنى الاصطلاحي للقسم.

فالفرق بين اليمين الشرعية والتأكيد اللفظي يقوم على وجود صيغة القسم الصريحة من جهة، وعلى النية المقصودة من جهة أخرى.

ولذلك شدّد العلماء على أهمية التمييز بين ما يجري على اللسان عادةً وتلقائيًا دون قصد القسم، وبين ما يقصده المتلفّظ من إلزام نفسه أمام الله.

فالأول لا يترتب عليه حكم اليمين في الغالب، بينما الثاني هو محلّ اعتبار الفقهاء.

هل تلزم الكفارة عند الحنث بهذه العبارات؟

أكدت دار الإفتاء في ردّها على استفسارات المتابعين أن تحديد وجوب الكفارة من عدمه أمرٌ نسبي يختلف باختلاف حال كل مستفتٍ على حدة، فلا يصحّ إطلاق حكمٍ واحد على جميع الحالات.

فمن نوى القسم بلفظٍ شرعي ثم حنث وجبت عليه الكفارة، ومن كان قوله مجرد تأكيدٍ أو عادةٍ لسانية لم ينعقد يمينه.

ودعت الدار المسلمين إلى تحرّي الدقة في الألفاظ، وعدم التوسّع في الحلف بغير الله أو بصيغٍ ملتبسة، والرجوع إلى أهل العلم المختصين عند الحاجة، لأن مثل هذه المسائل تعتمد على تقدير النية والقرائن ولا تُحسم بالفتاوى الجماعية المجملة.

نصائح عملية لتجنّب الوقوع في إشكال الأيمان

  • الابتعاد عن العبارات الملتبسة التي تحتمل معنى القسم وغير القسم، واستبدالها بصيغٍ واضحة.
  • عدم الإكثار من الحلف، امتثالًا لقول الله تعالى: “ولا تجعلوا الله عرضةً لأيمانكم”.
  • استحضار النية قبل التلفّظ بأي صيغة قد تُلزم صاحبها شرعًا.
  • الرجوع إلى الجهات الإفتائية المعتمدة عند الشك في حكم صيغةٍ معينة.

ويبقى الأصل في حياة المسلم التحفّظ في الأقوال والحرص على الالتزام بما يرضي الله، فما يجري على اللسان قد يترتب عليه أثرٌ شرعي لا يُستهان به.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *