في إطار استراتيجية متكاملة تهدف إلى تحصين عقول الشباب وبناء وعيهم الفكري والديني الصحيح، واصل مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف توسيع نطاق برامجه التوعوية داخل الجامعات المصرية، إذ استضافت كلية الصيدلة للبنين بجامعة الأزهر فعاليات الندوة التوعوية الرابعة التي نظّمتها اللجنة العليا لشئون الدعوة، بهدف إبراز المكانة السامية للعقل في الشريعة الإسلامية وطرق صيانته من الانحرافات الفكرية.
الأزهر في الميدان: تواصل مباشر مع الطلاب
تندرج هذه الندوة ضمن خطط استراتيجية شاملة يتبناها الأزهر الشريف للنزول إلى الميدان والتفاعل المباشر مع الطلاب داخل قاعات المحاضرات، بدلاً من الاقتصار على الخطاب الدعوي التقليدي.
وقد ناقش العلماء خلال اللقاء محاور بالغة الأهمية تتعلق بكيفية التعامل مع الشائعات والأفكار المغلوطة التي تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدين أن الإسلام كرّم الإنسان بنعمة العقل وجعلها مناط التكليف والمسؤولية، مما يستوجب الحفاظ عليها وصيانتها من كل ما يعكر صفوها أو يجرّها نحو التطرف والانحراف.
حماية العقل: إحدى الكليات الخمس الكبرى
أكد الحضور من علماء مجمع البحوث الإسلامية أن حماية العقل تُعد إحدى الكليات الخمس الكبرى التي جاءت الشريعة الإسلامية لصيانتها وحفظها، إلى جانب الدين والنفس والنسل والمال.
وخلال النقاشات المفتوحة مع طلاب كلية الصيدلة، قُدّمت رؤى واضحة حول كيفية تنمية التفكير النقدي الواعي لدى الشباب، والتفريق بين الاجتهاد الصحيح والفهم المشوّه للنصوص الدينية، وسط تفاعل كبير وحضور مميز من أعضاء هيئة التدريس والطلاب الذين رحّبوا بهذه اللقاءات التنويرية الهادفة إلى بناء جدران من الوعي الحقيقي.
مخاطر الشائعات الرقمية وكيفية التصدي لها
خصّص المحاضرون مساحة واسعة للحديث عن ظاهرة الشائعات الرقمية، موضحين أن سرعة تداول المعلومة دون التحقق من مصدرها أصبحت أحد أخطر التحديات التي تواجه وعي الشباب.
وقدّم العلماء مجموعة من القواعد العملية للتحقق من صحة الأخبار، منها الرجوع إلى المصادر الرسمية الموثوقة، والتثبت من صحة المعلومة قبل نشرها، والامتناع عن المساهمة في إعادة تدوير المحتوى المغلوط.
كما شدّدوا على أن القرآن الكريم حذّر صراحة من تداول الأخبار دون تبين في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، وهو ما يمثل أصلاً شرعياً راسخاً لمنهج التحقق من المعلومات.
بناء الوعي الفكري في مواجهة التطرف
يأتي هذا الجهد في ظل تصاعد التحديات الفكرية التي تواجه الشباب في العصر الرقمي، حيث باتت الجماعات المتطرفة تعتمد على أساليب متطورة في استقطاب الشباب عبر منصات التواصل الاجتماعي، من خلال اقتطاع النصوص الدينية من سياقها وتوظيفها بما يخدم أهدافها.
وفي هذا السياق، يؤكد علماء الأزهر أن مواجهة الفكر المتطرف لا تكون بالأمن وحده، بل بالوعي والفهم الصحيح، وبفتح قنوات الحوار المباشر مع الشباب للإجابة عن تساؤلاتهم بعيداً عن منطق التلقين.
أثر اللقاءات الميدانية على وعي الطلاب
لم تقتصر الندوة على تقديم المعلومات النظرية، بل شملت جلسات نقاش وحوار مفتوح أتاحت للطلاب طرح أسئلتهم واستفساراتهم حول القضايا الفكرية المعاصرة.
وأعرب أعضاء هيئة التدريس عن تقديرهم لهذه المبادرات التي تربط بين التحصيل العلمي التخصصي والوعي الديني والفكري، مؤكدين أن طالب الصيدلة أو أي تخصص علمي آخر يحتاج إلى منظومة قيمية راسخة تحمي عقله من الانحرافات الفكرية وتحصّنه ضد محاولات الاستقطاب.
خطة الأزهر لاستكمال جولاته التوعوية
تُعد هذه الندوة الرابعة حلقة في سلسلة أوسع من الفعاليات التوعوية التي تعتزم اللجنة العليا لشئون الدعوة تنظيمها في مختلف كليات جامعة الأزهر خلال المرحلة المقبلة.
وتهدف هذه الجولات إلى الوصول إلى أكبر قطاع ممكن من الطلاب، وترسيخ مفاهيم الوسطية والاعتدال، وبناء قدرة ذاتية لدى الشباب على التمييز بين الصحيح والسقيم من الأفكار، ليصبحوا سفراء للوعي في محيطهم الاجتماعي والرقمي.
خاتمة
تمثل جهود الأزهر الشريف في تحصين عقول الشباب استثماراً في مستقبل الوطن، إذ يشكّل الشباب الواعي الحصن الأقوى في مواجهة الأفكار الهدامة والفكر المتطرف.
وتظل مواصلة هذه اللقاءات الميدانية داخل الجامعات خطوة ضرورية لبناء جيل يجمع بين العلم النافع والوعي الديني الصحيح، ويستطيع التعامل مع تحديات العصر الرقمي بعقل ناقد وبصيرة نافذة.

التعليقات