التخطي إلى المحتوى

بريق الحرباء: حين يصبح الصدق غربة والتملق جواز مرور

بقلم المستشارة: تهاني التري

أردت من خلال هذا المقال أن ألخّص واقعاً اجتماعياً شديد العمق، وموجعاً في آنٍ واحد؛ واقعاً بات فيه القناع أقوى من الوجه، وأصبح التملّق جواز مرور لنفوس الكثيرين.

واقع يستدعينا لنتساءل ونقف أمام أنفسنا لنواجه الحقيقة: لماذا يهرب المجتمع من الحقيقة، ويصفّق للمزيّفين، ويجد نفسه محاطاً بفوضى المهرجين؟.

المفارقة العجيبة: كلما زاد الزيف، زاد التصفيق

في عالم تتسارع فيه الخطى وتتداخل فيه المظاهر، نشهد مفارقة عجيبة ومؤلمة: كلما كان الإنسان مزيّفاً، متلوّناً كالحرباء، ومتقناً لدور المهرج، اتسعت دائرة تصفيقه وكثرت علاقاته.

وكلما ارتدى قناعاً جديداً، انفتحت له الأبواب، وتبارى الناس في تأييده والإعجاب به.

فلماذا أصبح الزيف سلعة رابحة؟ ولماذا بات المجتمع يخشى الوجه الحقيقي الصادق؟.

هنا يتبادر إلى الذهن السؤال الأهم في ظلال الحرباء: لماذا ينتصر الزيف اجتماعياً؟

لماذا ينتصر الزيف اجتماعياً؟

السر يكمن في أمر بسيط ومؤلم؛ وهو أن الناس أصبحت تخاف من الحقيقة.

فالحقيقة مرآة كاشفة، والجدية التزام ثقيل لا يقوى عليه إلا أصحاب المبادئ.

فالإنسان المزيّف الذي يبدّل ألوانه مع كل موقف لا يطالب أحداً بالتفكير، ولا يواجه أحداً بعيوبه، بل يمنح المجتمع ما يريد سماعه لا ما يجب أن يعلمه.

إنه يوزّع المجاملات الرخيصة والابتسامات الزائفة التي لا تخدش ظاهراً ولا توقظ ضميراً.

لهذا السبب، يُطلق المجتمع على هؤلاء المتلوّنين لقب «المهرجين»، بينما هم في حقيقة الأمر أكثر الناس إفساداً للأرض، لأنهم يهدمون معايير الأصالة، ويشرّعون النفاق كمهارة حياة.

لماذا يُشترى الزيف؟ قراءة اجتماعية ونفسية

يُفسّر علماء الاجتماع ظاهرة «التلوّن الاجتماعي» بأنها سلوك انتهازي يهدف إلى تقليل الصدام الاجتماعي وضمان القبول في كل دائرة.

والإنسان المتلوّن يسير وفق قاعدة بسيطة: «قل ما يريده الناس لا ما تقوله حقيقتك».

لكن هذا السلوك، مهما بدا ناجحاً على المدى القصير، يقرّض الثقة داخل المجتمع، ويشجّع «التملق الجماعي»، حيث يصبح الفرد يُقاس بعدد المعجبين لا بعدد مواقفه.

أما نفسياً، فإن إخفاء الحقيقة يمنح صاحبه نوعاً من الراحة السريعة؛ إذ يرتاح الإنسان من عبء الحساب والمراجعة، ومن ثقل أن يقول «لا» أو أن يبيّن ما لا يوافق عليه الآخرون.

لكن هذه الراحة شبيهة بدواء مُخدّر: تُسكِن الألم مؤقتاً، ثم تُضاعفه مع الوقت.

الوجه الحقيقي في العراء: غربة اختيارية… وضريبة واعية

في المقابل، نجد الإنسان الحقيقي والصادق يقف وحيداً في العراء.

فصراحته وجديته تُعدّان تهديداً لمن اعتادوا العيش في العتمة والزيف.

فهو لا يتقن مساحيق التجميل اللفظية، ولا يعرض مبادئه للبيع في سوق العلاقات العابرة.

لذلك تبتعد عنه الدوائر المزيّفة خوفاً من مواجهة الحقيقة التي يحملها في عينيه.

إنها غربة اختيارية، لكنها الضريبة التي يدفعها كل من رفض أن يبيع روحه مقابل حشد جماهيري زائف.

والحقيقة أن هذه الغربة ليست فشلاً اجتماعياً، بل هي بوصلة تفصل بين من يبحث عن الاسم ومن يبحث عن الأثر.

فالصادق قد يخسر ليلةً وليمة، لكنه يكسب مرآته؛ وهو مكسب لا يمكن أن يُقدّر بثمن.

كيف نعبر من بوابة فخ «المهرج الجديد»؟

إن أخطر ما يواجه الإنسان الصادق في بيئة تصفّق للمزيّفين هو لحظة التردد: هل أتنازل عن مبدئي لأحظى بالقبول؟ هل أنضم إلى قطيع المهرجين لأعيش بلا عزلة؟

هنا بالتحديد تكمن المعركة الحقيقية؛ فالثبات على المبدأ ليس مجرد خيار أخلاقي، بل هو طوق نجاة لئلا يتحول الصادق إلى رقم جديد في قائمة المهرجين، يضحك الناس معه يوماً، ثم ينسونه إلى الأبد.

فالأصالة قد تبقيك وحيداً لفترة، لكنها تمنحك السلام الداخلي، وتترك أثراً لا يُمحى؛ بينما زيف الحرباء، مهما علا صيته، فهو زائل بزوال القناع.

خطوات عملية لحماية صدقك داخل بيئة مزيّفة

  • اختر نوافذ صغيرة للصدق: لا تحتج إلى قول كل شيء، بل اصنع فضولاً من موقف واحد صادق، وستنجذب إليك النفوس الحقيقية.
  • افصل النقد عن الشخص: قل رأيك في الفكرة دون أن تجرح في من يحملها، فالاحترام لا يعني التلون.
  • احتفظ بمرآتك الخاصة: اختر أصدقاء قليلين يقولون لك الحقيقة، ولتكن علاقتهم بك عميقة لا جماهيرية.
  • افظ على ثوابتك: اكتب مبادئك وما لا يمكن أن تتنازل عنه، وأعد قراءتها كلما صعب الموقف.
  • تذكّر: الزيف زائل، والأثر أبقى: الجماهير تتحرك مع الضوء، لكن الأثر يبقى مع الأصالة.

خاتمة: بين بريق الحرباء وأثر الإنسان

ما يلمعُ ليس دائماً أصيلاً، وما يصرخُ ليس دائماً صوتاً.

إن معركة الصادق مع المزيّف ليست معركة كلمة في سوق، بل معركة قيمة في زمن.

ولا خلاص لها إلا بالثبات على المبدأ، والعمل على استعادة قيمة الصدق في تفاصيل الحياة: في المنزل، في العمل، في الصداقة، وفي الكلام اليومي.

الزيف قد يكسو الفرد ألواناً، لكنه لا يكسبه لوناً واحداً خاصاً به.

والأصالة، وإن حاصرتها الوحدة، تبقى تلك البذرة التي تنمو في الظلام؛ فربما يراها الناس متأخرين، لكنها لا تفنى أبداً.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *