التخطي إلى المحتوى

مقدمة: تحوّل مفاجئ في معادلة اليمين الإسرائيلي

لم يكن مؤتمر عكا الجماهيري مجرد فعالية انتخابية عابرة، بل تحوّل إلى نقطة انكسار في العلاقة بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.

ففي كلمة ألقاها أمام حشد من مؤيدي حزب «الليكود» في المدينة الساحلية، رسم نتنياهو خطاً أحمر واضحاً: وزارتا الدفاع والأمن الداخلي ستبقيان تحت السيطرة الحصرية لحزبه، ولن تُمنحا لأي شريك ائتلافي آخر، وهو ما فُهم على الفور كإقصاء صريح لبن غفير من أي دور سيادي مستقبلي.

ما الذي قاله نتنياهو بالضبط؟

شدّد نتنياهو على أن الحقائب السيادية تمثل العمود الفقري لأمن إسرائيل، ولا يمكن أن تكون موضوع مساومات ائتلافية أو أوراقاً تفاوضية.

وبرّر موقفه بأن تجربة السنوات الأخيرة أظهرت أن تداخل الصلاحيات بين وزارة الأمن القومي ووزارتي الدفاع والأمن الداخلي خلق ارتباكاً مؤسسياً وإرباكاً في سلاسل القيادة، خصوصاً خلال الأزمات الأمنية المتتالية في الضفة الغربية والقدس.

هذه اللغة، بحسب مراقبين، ليست مجرد موقف سياسي، بل رسالة مزدوجة: الأولى موجهة إلى بن غفير وحزب «القوة اليهودية»، والثانية موجهة إلى المستوى الدولي، ولا سيما واشنطن، التي طالما أعربت عن قلقها من صعود الشخصيات المتطرفة داخل الحكومة الإسرائيلية وتمسكها بحقائب أمنية.

بن غفير: من شريك حاسم إلى خصم مرتقب

منذ دخوله الحكومة، لعب بن غفير دوراً حاسماً في ضمان الأغلبية البرلمانية لنتنياهو، مقابل حصوله على وزارة الأمن القومي التي منحته نفوذاً واسعاً على الشرطة الإسرائيلية وسياساتها في القدس والمسجد الأقصى.

لكن هذا النفوذ هو نفسه ما أثار توترات داخلية وخارجية، ودفع نتنياهو إلى إعادة تقييم جدوى استمرار هذا التحالف في أي تشكيل حكومي مقبل.

القراءة الأولية لموقف نتنياهو تشير إلى أنه يسعى لـ«إعادة تموضع» الليكود بوصفه الحزب الحاكم القادر على ضبط الأمن بعيداً عن الشراكات التي تُستنزف سياسياً، ما يعني أن بن غفير قد يجد نفسه أمام خيارات صعبة: إما القبول بدور أدنى داخل الائتلاف، أو التحول إلى معارضة من اليمين تنافس الليكود على القاعدة التصويتية نفسها.

خلفية أوسع: صراع اليمين على هوية الحكومة

الخلاف بين نتنياهو وبن غفير ليس وليد اللحظة، بل هو تعبير عن صراع أعمق داخل اليمين الإسرائيلي حول من يملك حق رسم السياسة الأمنية.

فبينما يرى الليكود أن القرار الأمني يجب أن يبقى مركزياً ومحكوماً بمؤسسة الدفاع، يدفع بن غفير وحلفاؤه نحو سياسات أكثر تصعيداً وأيديولوجية، سواء في ما يتعلق بالملف الفلسطيني أو بإدارة المواقع المقدسة.

هذا التناقض ظهر في ملفات عدة، من قضية التجنيد إلى التعامل مع الاحتجاجات، مروراً بإدارة ما يسمى «الحكم الذاتي» في المناطق المصنفة (ب) حسب اتفاقيات أوسلو، حيث تتيح هذه الترتيبات درجة محدودة من الإدارة المدنية والشرطة الفلسطينية في مجالات التعليم والصحة والاقتصاد، بينما تبقى السيطرة الأمنية الكاملة بيد إسرائيل.

تداعيات محتملة على الخريطة السياسية

إذا صحت قراءة نتنياهو، فإن الانتخابات المقبلة قد تشهد إعادة تشكيل تحالفات اليمين.

فاستبعاد بن غفير من الحقائب السيادية يفتح الباب أمام سيناريوهات عدة:.

  • سيناريو التهميش المنضبط: يبقى بن غفير في الائتلاف لكن بصلاحيات مقلصة، ما يقلل من قدرته على التأثير في السياسات الأمنية اليومية.
  • سيناريو الانفصال: ينسحب حزب «القوة اليهودية» من الائتلاف، ما يهدد الأغلبية البرلمانية ويفرض انتخابات مبكرة أو حكومة أقل استقراراً.
  • سيناريو المنافسة اليمينية: يتحول بن غفير إلى قطب يميني منافس، ما قد يشتت أصوات اليمين ويعقّد حسابات الليكود في أي جولة انتخابية قادمة.

البعد الإقليمي والدولي

لن تبقى هذه التطورات حبيسة الداخل الإسرائيلي، إذ ينظر إليها كجزء من تفاعلات أوسع في الإقليم.

فالإدارة الأمريكية تابعت بقلق تنامي نفوذ التيار المتطرف داخل الحكومة الإسرائيلية، وقد يكون قرار نتنياهو بمثابة إشارة تهدئة تسبق أي ترتيبات استراتيجية جديدة.

وفي المقابل، تتابع الأوساط العربية والمنظمات الحقوقية هذه التطورات بوصفها مؤشراً على إمكانية تغير في النهج، أو على الأقل إعادة ضبط داخلي لا يغير جوهر السياسات.

الخلاصة

ما جرى في عكا ليس مجرد تصريح انتخابي، بل هو إعلان بدء معركة داخل اليمين الإسرائيلي حول مستقبل الحقائب السيادية.

وبينما يحاول نتنياهو تحصين الليكود وإعادة رسم صورة الحكومة، يجد بن غفير نفسه أمام معادلة جديدة قد تنقله من شريك ضروري إلى خصم صعب.

والمعطى الأهم أن نتائج هذه المعركة لن تحدد فقط من يحكم إسرائيل، بل من يملك القرار الأمني فيها خلال السنوات المقبلة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *